تظل قضية الحقوق أحد الشواغل المهمة لدى الإنسان لأنها تجسد الصراع المرير بين الخير والشر، ولأن الصيغ القانونية قديمة قدم الإنسان، العرفية منها والنصية، فإن ثمة رجالاً وهبوا أنفسهم وثقافتهم لتسليط الضوء على الحق المستحق والمستلب، ولتوعية الناس بالشرعيات التي يجب أن تحكم حياتهم وعلاقاتهم وحركتهم. في هذا السياق جاءت مجلة «الحقوق».

وهي أسبوعية قضائية أدبية أسسها في القاهرة أمين شهيل وهو باحث لبناني المولد، رحل إلى القاهرة واحترف التجارة والمحاماة، له مؤلفات في الأدب والحقوق. توطن بالقاهرة عام 1315هـ / 1897م. صدر العدد الأول من المجلة في 8 صفحات بتاريخ 30 جمادى الأولى 1303ه/ 6 مارس 1886م.

جاء في افتتاحية عددها الأول: «هذه الأسبوعية باحثة في مواضيع الحقوق والأحكام القضائية ، ناشرة كل ما يتعلق بذلك من خلاصات ومضابط مهمة، قابلة مراسلات أولي الذوق والمعارف في فنون القضاء والتاريخ، فاتحة أعمدتها لجميع الإعلانات الحكمية والعلمية والصناعية والتجارية وجميع الاحتياجات كالبيوع والإجارة ... الخ».

وعند الخوض في متن هذه الأسبوعية تقابلنا نبذة عن الحقوق وأنواعها والتاريخ وفوائده، حيث قيل عن الحقوق بأنها من المعلومات الجليلة وتتألف من ثلاثة أنواع علم الحق الطبيعي وعلم الحق الأدبي وعلم طبائع الأشياء الذاتية. وأن الحق يسمى مدنياً حين يقع فيه التبادل بين الفرد الواحد والأمة، ويسمى شعبياً مدنياً حين يقع بين الأمة الواحدة وسائر الأمم، وقد بدت هذه النبذة تعليمية تثقيفية لأنها تناولت تقسيم الحق الشعبي إلى ما هو ضروري وغير ضروري،

وكذلك شروط تحول الحق الشعبي إلى تطوعي يتصف بالتسامح والرضا بين الأطراف محل الحق». أما التاريخ فقد تم تعريفه على أنه خزانة الحوادث الماضية وخزينة المجريات الحاضرة، ليس من خطير إلا وفيه يذكر. وهو خلاصة أعمال الأولين، ومسند أفعال الآخرين، وعمدة الحاضرين واستناد السياسيين وحصن المدققين.

ولقد أخذت المجلة على عاتقها نشر بعض القضايا المتداولة في المحاكم آنذاك بكل حذافيرها من أحكامها الابتدائية إلى الطعون ثم الأحكام النهائية وحيثياتها. وهو توجه إن كان يبدو مستجداً وغريباً لكنه يكشف عن عمق الرسالة التوعوية التي تتوخاها المجلة من أجل اطلاع أكبر عدد ممكن من القراء على القوانين التي يجب أن يعملوها قبل الدخول في المشاحنات الحقوقية.

الطريف أن المجلة نشرت تنويهاً يكشف عن بداية الصعوبات التي واجهتها مع «نظارة الحقانية» أي وزارة العدل التي يبدو من التنويه أنها لا توافق بسهولة وانتظام على نشر قضايا المحاكم على صدر المجلة.كذلك قامت المجلة بنشر تفاصيل قضية مالية مثيرة بين ثري يوناني وآخر مصري سليل عائلة إقطاعية. واستمدت القضية آثارها من كون المبلغ المتنازع كبيراً حسب مقاييس هذا الزمن وهو 13000 جنيه،

إضافة إلى تفاصيل تخص عمر المدعي عليه، وتوقيت رفع الدعوى حول ما إذا كانت ضد الوالد المتوفي أو ميراث ولده، ويبدو أنها قضية الأولى من نوعها، لذلك قيل أن نشرها يأتي من كونها سابقة لم تحدث من قبل.كذلك نشرت المجلة خبراً مطولاً عن أحد الاجتماعات لذوي الشأن القانوني بحقوق عمل لائحة تدرج فيها الحقوق الواجب حفظها للمحامين والمتنازعين

نأخذ من الحيز مقطعاً لاستبيان الطريقة التي كتب بها: «في 4 من الشهر الماضي بناءً على استسحان حضرة نائب عموم المحاكم الأهلية المستر وست صار التئام جمعية حافلة من حضرات المحامين تحت رياسة حضور الوجيه العالم عز تلو جبرائيل بك كحيل.

وبعد أن استهل حضرته الجلسة بخطاب أنيق عن الغاية من ذلك الاجتماع وهو عمل لائحة تدرج فيها حقوق وواجبات هذه الصناعة المهمة».ثم تنهي المجلة صفحاتها الثماني بعدد من المواد القانونية الخاصة بتحصيل الرسوم المدنية، والتجارية وأتعاب المحامين من الخصوم وكل ما يلزم من طرق الحصول على صور الأحكام.

مجدي أبوزيد

بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث