قد لا يكون اسم جين ديولانوا ملء السمع في أيامنا هذه، ولكنها خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر كانت واسعة الشهرة في الحياة الثقافية الفرنسية بفضل رحلاتها التي قامت بها إلى مناطق عديدة من الشرق الإسلامي. والنصوص التفصيلية التي كتبتها عن عالم زارته مرات عدة واغرمت به وكانت تضطر إلى ارتداء ملابس الرجال نهارا لتزور أسواقه ومناطقه الأكثر خطرا على امرأة أوروبية.

وهنا صفحات من كتابها «الشرف تحت الحجاب» تصف فيها مشاهداتها في سوق بغدادية خلال العام 1881. 20 ديسمبر رعب كبير ساد بغداد اليوم، إذ أفاق أهلها على حريق هائل اندلع الليلة الفائتة في البازار. والحقيقة أن الكارثة كان من شأنها أن تسفر عن نتائج وخيمة وكان من شأن الحريق أن يتصاعد لولا انه تم إخماد النار بسرعة.

وذلك بفضل طريقة مبتكرة وحاذقة يستخدمها التجار هنا عادة من اجل حماية حوانيتهم من اللهب. إذ ما أن يعلن عن وجود حريق في المكان حتى يهرع المعنيون بالأمر الى التدافع فوق أسطح صنعت من خشب وطين مقامة فوق الأزقة الصغيرة التي تقوم فيها الحوانيت، وهناك يستخدمون الفؤوس بسرعة من اجل جعل القطع القوية من تلك الأسطح تتساقط فوق النيران فتخمدها، سادة في طريقها كل الفتحات المؤدية الى المكان مانعة اللهب من الامتداد.

وطبعا استخدمت هذه الطريقة الليلة، بكل ما فيها من وحشية ضرورية فإذا بمنظر البازار يعطيه شكل أطلال مسودة اللون. ولكن لا يقلقن احد.. إذ خلال يوم أو يومين يعود التجار، وقد تيقنوا من ان النيران انطفأت تماما ويجمعوا قطع الطين والأخشاب ليعيدوها الى مكانها، ثم يعودون هم بكل هدوء الى الحوانيت التي تكون قد سلمت تماما.

والحال أن النيران اندلعت على مساحة قصيرة جدا من المنطقة التي تعتبر اعرق مناطق هذا البازار وأقدمها، أي غير بعيد من خان اورشما الشهير. ولو كانت النار قد امتدت لتصل الى هذا الخان كان من شأن بغداد أن تخسر واحدا من أجمل نماذج العمران الفارسي. وقطعاً من أروع قطع العمران فيها.

و«خان أوشما» هو حيز مستطيل الشكل مسقوف بقباب بنيت بشكل فائق الأناقة أما جدرانه الخارجية التي تبعد عن إطاره الداخلي ثلاثة أمتار تقريبا، فإنها تسند أقواسا قليلة السماكة تعبرها ممرات وترتبط ببعضها البعض عبر أسقف مقببة. ويعلو هذا كله قباب أخرى ترتكز جزئيا على الأسقف المقببة، وجزئيا على الأقواس الكبيرة. وأما الجدار الذي يقفل القاعة تماما فتخترقه أزواج من الفتحات.

وفي الأعلى ثمة فتحات عديدة ومنتظمة تترك مكانا لدخول أشعة الشمس في ضياء يأتي ليضاف إلى ما تسمح به الفتحات الأخرى والأسقف المقببة والغريب هنا أن الموزاييك الذي يزين الجدران والقبب جميعا أحادي اللون خفيف الوطأة يشعر الناظر إليه بقدر كبير من الراحة. ومع هذا يبدو العمران مغاليا بعض الشيء في خروجه عن الجدران الخارجية، اذ سقف لكي يربط بين جدران وغرف وصالات الطابق الأول.

معروف عادة في عالم العمران انه من الصعب على البناء حين لا تكون لديه أحجار صغيرة أي مواد ذات حجم قرميدي، أن يتمكن من بناء جدران قوية قادرة على المقاومة، ومع هذا عرف عن البنائين الفرس مهارتهم الكبرى في هذا الفن. والواقع ان الرغبة في إقامة قاعات داخلية واسعة ومنفصلة، تبدو هي المسيّرة للأسلوب الذي اتبعه البناؤون في إنشاء هذا المكان.

والحقيقة أن وجود صرح إيراني من هذا النوع وهذا الجمال وهذه الضخامة وسط بغداد ليس بالأمر الغريب أو الفريد من نوعه، فمثل مبنى «خان أورشما» ثمة مبان عديدة فارسية أخرى في بغداد.. وها هي على مسافة ضئيلة من الكرافان سراي، هذه، ترتفع مئذنة سوق الغزال، التي تشي بكل جدال الفن الفارسي كما كان سائدا في القرن الثاني عشر.

وغير بعيد أيضا تلوح مباني مدرسة حولت الآن إلى مستودع للجمارك. ولعل شهرة هذا المبنى لا تعود فقط إلى جماله وجلاله، بل كذلك إلى الكتابات التي كتبت على جدرانه والتي يجلس أمامها الخطاطون المحترفون يمارسون أعمالهم وكل هذا يجعلنا نلاحظ أن المباني والصرح العديدة التي تضمها بغداد وتنتمي إلى عصور غابرة،

ليست فقط ذات قيمة داخلية تخص كل واحد منها بل إنها تشكل في مجموعها ما يشبه المتحف الممتد وتسمح للباحث بأن يتتبع على ضفة دجلة بأكثر مما في المدن الفارسية ربما، تاريخ مختلف تجليات الفن السلجوقي منذ وصول السلجوقيين وحتى الآن. ذلك أن أسلوب كل حقبة قد ترك بصماته هنا بينما نلاحظ هناك في إيران بلد هذا الفن الأصلي أن هذه الفنون قد تشتت تبعا للموقع الذي راحت كل سلالة تختاره ليكون عاصمة لها.

كنت أفكر في ذلك كله وأنا انزل بعد ايام من الحريق من أعلى خان اورشما حيث وجدت نفسي فجأة طريدة بائعي السجاد من فرس وأتراك. وإذ استجبت وقررت أن ابحث عن شيء اشتريه منهم رحت ابحث دون جدوى عن قطعة ملفتة اشتريها، لكن لم أجد، ذلك أن هؤلاء الباعة لم يروني سوى قطع من الصوف القبيح والملون الذي يمكن للعين الخبيرة أن تدرك بسرعة انه من صنع فرغانة أو أزمير، أي ليس فارسيا اصليا.

وفيما عدا السجاد يمكن للمرء أن يعثر في سوق الأقمشة هنا على حرير دمشقي مقطع، وعلى أثواب المراسلين البيض الموشاة بالحرير الأصفر الذي يستخدم للأثاث، والمشالح المذهبة التي يضعها الرجال فوق أكتافهم، والازارات التي تلتف بها النساء.. إضافة إلى البابوش الملون.. أي باختصار، هنا وهناك يمكن للمرء ان يعثر على كل ترسانة الفخامة المعتادة في الشرق.

ولكن هنا من العيب على المرء ان يفتش عن قطع الأسلحة الثمينة أو البروكار الفاخر الذي يمكن العثور عليه في فاشان واصفهان وتحديدا في اسطنبول. ومهما يكن، قد تكون حقيقة الأمر أن هذه الأشياء موجودة هنا، ولكن من الصعب أو المستحيل العثور عليها، حيث أن تكاثر وتراكم البضائع المكومة في أسواق بغداد لا يساهم في الكشف عن الأشياء الثمينة والجميلة بالسهولة التي يمكن للمرء ان يتوقعها.

أما نتاجات الصناعة المحلية، فيتوجب كما هي الحال في فارس، أن يوصّى عليها ويدفع ثمنها في الوقت نفسه.. وهذا النظام التجاري الفريد من نوعه هو الذي يمنع الأجانب، الذين غالبا ما يكونون مضطرين إلى السفر في اليوم نفسه. من ان يعودوا معهم من هذا السوق بأشياء جميلة وثمينة يدفع الآخرون أثمانها عادة قبل شهور من الحصول عليها. ونلاحظ هنا أن ذوي الخبرة أنفسهم من أهل البلد غالبا ما يقعون بسبب هذا النظام ضحايا احتيال التجار،

فماذا تقول عن الأجانب الغرباء؟ مهما يكن فان ليس لنا أن نعزو جشع التجار هذا إلى شح البضائع أو انخفاض مستوى العيش. فالواقع أن المصرفيين هنا وهم عديدون، هم دائما على استعداد لفتح اعتمادات لصغار التجار.. بحيث إن السيولة النقدية، حتى ولو كانت تقرض بفوائد مرتفعة متوفرة بكثرة، ما يفيد التجار إن كانوا شرفاء،

خاصة أن الدولة هنا تدللهم إذ لا تفرض عليهم أية ضرائب أو مكوس.. فقط تفرض عليهم دفع رسم الانتماء إلى السوق وهو زهيد.. بل حتى يمكن التملص من دفعه كله إذا ما توافق الراغب مع موظف الجمارك ورشاه بجزء فقط من المبلغ.