التفسير والمفسرون

الإمام نظام الدين النيسابوري .. غرائب القرآن ورغائب الفرقان

هو الإمام نظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين الخراساني المعروف بالنظام الأعرج النيسابوري من علماء القرن الثامن الهجري؛ كما ذكر عنه خير الدين الزركلي..!ولقد انتسب إلى نيسابور، وهي مدينة مشهورة من مدن الإسلام، لها فضائلها وعظمتها وأنبتت كثيراً من أعلام الإسلام وأئمته، منذ افتتحت للمرة الثانية في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه، على يد عبدالله بن عامر بن كريز، وهي يؤمئذ عاصمة خراسان..!

ومن أعلامها المعدودين، الحافظ علي بن زيد النيسابوري الصائغ الذي تتلمذ عليه كثير من العلماء، ومن قبله إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق خزيمة النيسابوري الفقيه الحافظ والذي توفي سنة 311ه، وصاحب الصحيح والمؤلفات التي يذكر عنها أبو عبدالله الحاكم انها تزيد على المئة وأربعين مؤلفاً في عقائد الإسلام وعلوم السنة..! وكذلك الإمام الحافظ أبي علي الحسين بن علي النيسابوري المتوفى سنة 349 ه.

والإمام أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه شيخ الشافعية بنيسابور في عصره، وإمام الحديث وله كتاب في التخريج على صحيح مسلم، والذي قال عنه أبو عبدالله الحاكم: هو إمام المحدثين وأزهد من رأيت من العلماء وأعبد ـ توفى سنة 349 هـ أيضاً.

وكذلك أنجبت أبا الحسين أحمد بن محمد النيسابوري شيخ الحنفية وإمام القضاة، توفي سنة 351 ه، وكذلك الإمام أبا الحسن محمد بن علي بن سهيل النيسابوري وكان عالماً متقناً وهو شيخ الشافعية في عصره وأستاذ كثير من الأئمة والمتوفى سنة 384 ه.

وهي التي أنجبت حافظ عصره الحاكم أبا عبدالله محمد بن عبدالله المعروف بابن البيع صاحب كتاب «المستدرك على الصحيحين» والذي جمع فيه جملة من الأحاديث جاءت على شرط الصحيحين أو أحدهما ولم يتم تخريجها فيهما أو في أحدهما، إلا انه قد جاء فيه كذلك بعض الأحاديث الضعيفة وبعض الموضوعات الواهيات، وهو أشهر الكتب التي استدركت على الصحيحين؛ وقد توفي الحاكم سنة 405 ه.

كما أنجبت أبا الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، والحافظ المحدث أبا صالح أحمد ابن عبدالملك النيسابوري، وغيرهم كثيرون..!!فلا غرو إذن ان ينبغ في سماء هذه المدينة نظام الدين صاحب كتاب (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) والذي تنقل بين المراكز العلمية في سبيل تحصيل ما يستطيع جمعه من علوم، كعادة أهل العلم، فعلم أنه استقر زمناً بمدينة قم، التي أزهرت على الإسلام،

فلم تحتفظ بشيء يدل على آثار أو ثقافات سابقة على الإسلام، وطاف بها كذلك بعض أعلام الأمة، وانتهى به المطاف إلى الهند وربما وافته المنية وهو بها؛ ولذلك لم يحتفل بذكره علماء التأريخ بالعراق أو الشام أو مصر عدا السيوطي وحاجي خليفة وإسماعيل باشا البغدادي..!

وهذا الكتاب الذي بين أيدينا (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) بقي ان نعرف ما يقوله ناشره عنه الدكتور حمزة النشرتي:وهذا الكتاب خير هدية تهدى إلى جماهير الأمة الإسلامية لما احتوى عليه من فوائد جليلة ومنح جزيلة، ونكت فائقة أسماه صاحبه «غرائب القرآن ورغائب الفرقان» فالغرائب جمع غريبة، وهي المعنى المكون الذي يندر الوصول إليه ويعز على القارئ العثور عليه، والرغائب جمع رغيبة، وهي ما يرغب فيه الإنسان لنفاسته ويحرص على اقتنائه لعلو قيمته وجوهره.

والقرآن منذ أنزله الله ـ تعالى ـ معدن كل نفيس، ومنجم كل جوهر، ومحل كل شريف وأصل كل عظيم، قال الله في حقه: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم أجراً كبيراً).. انه هو الذي يضم هدى الله وشرعه وحكمه، جاء معجزاً مبيناً وهادياً إلى الله وصراطاً مستقيماً.

قال النيسابوري في كتابه: لقد تضمن كتابي هذا حاصل التفسير الكبير ـ ويقصد بالتفسير الكبير كتاب الفخر الرازي ـ وهو جامع لأكثر التفاسير، وفيه حلُّ لكتاب الكشاف، وقد احتوى على النكت المستحسنة الغريبة مما لم يوجد في سائر التفاسير..!

وقد شيد تفسيره بالأحاديث التي جمعها من كتب الثقات واختارها من روايات الموثوق بأسانيدهم وأخبارهم، وكان نقاداً في اختياره، لذلك نراه يقول: لم آخذ بروايات الكشاف في الأحاديث الواردة في فضائل السور، لأن النقاد زيفوها إلا ما شذَّ منها..

واعتنى في تفسيره بالوقف.. والوقف باب من الأبواب التي ينبغي للعلماء والفقهاء ان يتقنوه وكم من معنى يستغلق وسرُّ لا يدرك إذا لم يحسن القارئ الوقف كما يجب ان يكون .. وقد استقصى النيسابوري في كتابه مواضع الوقف وأحكامها في كل سورة.. وهذه ميزة لم تتوفر بهذا الاستقصاء إلا عنده..!!

واعتنى في كتابه بأسباب النزول، ورجع في ذلك إلى الكتب السابقة، والعلماء المتخصصين. كما اعتنى باللغة ومعاني المفردات، وفي ذلك بيان لغريب القرآن، ورجع في ذلك إلى أئمة اللغة وعلماء البلاغة ومن سبقه من المفسرين الأعلام.ولم يهمل الأحكام التي تشير إليها الآيات بل أوضحها؛ ولم يغب عنه ما يكمن وراء اللفظ من استنباط أو تأويل.

إلا انه رجع في ذلك إلى ما استنبطه الأئمة الأعلام المعروفون بالورع وحسن الدراية، وإلى ما دار في خلده وسمحت به ذات يده ـ كما يقول ـ مع تورعه من أن يجزم بأن ما ارتآه هو المراد من الآية، بل تجده مشفقاً من ان يكون قد تجرأ على ما ليس له بحق، وقد شجعه على ذلك ما رآه من استنباطات الأئمة المشهورين بالذوق والوجدان، وجمعوا بين العرفان والإيمان والإتقان في معنى القرآن..!

والحق ان ما ذكره الناشر آنفاً، لا يعيب الرجل، فمن البديهي، أن يكتسب اللاحق خبرة السابق وتجربته، والمهم ان يطلع عليها ويتزود منها، وهذا يدلنا بوضوح على سعة البحث والدأب على تحصيل العلم وفنونه، مما ينتج ولا ريب موسوعة من المعارف القرآنية النافعة..!!واعتنى النيسابوري في كتابه بالربط ومراعاة المناسبات بين السور والآيات، وبيان الحكمة من تكرار الآيات، وكذلك ذكر المتشابهات والمشتبهات، وهذا يدلنا على رسوخ القدم في العلم وامتلاك ناصيته..!

وإذا كان هناك من يتوهم فيه التشيع أو الميل للاعتزال، فإنه ينفي عن نفسه ذلك بوضوح ويقرر انه ينطلق من معسكر أهل السنة، فيقول رحمه الله: «إنني لم أمِلّ في هذا الكتاب إلا إلى أهل السنة والجماعة، فبينت أصولهم ووجوه استدلالاتهم».ومن أجل ذلك كان إذا تعرض للاختلافات الفرعية، ذكر كل وجهة نظر بأدلتها دون تعصب أو خصومة؛ ويحبذ ان تتعدد الآراء وتتنوع الاجتهادات..!

وشغل نفسه ـ رحمه الله ـ بتدريس هذا التفسير بعد إتمامه، خلال أربع سنوات وسبعة أشهر، بينما كان يؤمل ان تمتد مدة تأليفه إلى ثلاثين سنة، وهي مدة الخلافة الراشدة، غير انه بورك له في وقته، وتيسر له إنجازه في أقل من خمس سنين، ويقول: ولولا ما اتفق أثناء التفسير من وجود الأسفار الشاسعة، ومشقة الحصول على المراجع العلمية النافعة، ونزول هموم وغموم لكان يمكن إتمامه في مدة خلافة أبي بكر رضى الله عنه، أي خلال سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام.

وإذ كانت نيته وهمته من تأليف هذا السفر الجليل أن يخدم به كتاب الله، فقد تم له بتوفيق ربه ما أراد، وكما قيل علامة القبول التيسير، وأصبح بالفعل من خدم القرآن الكريم وعلومه مما دعا الأستاذ نصر العادلي، إلى القول: (فلا غرو أن أعجب بتفسيره كل من اطلع عليه، وقدموه في مناظراتهم على كثير من كتب التأويل، لما حواه من باهر الحجة وساطع الدليل..

وبالجملة فالكتاب حجة في بابه، مرموق من كل من اطلع عليه بعين الإكبار، مقدم على نظائره من كتب التفسير الكبار)..!وإن من فضل الله على الأمة ان قيض لها فريقاً منها جعل جل همه خدمة كتابها والسهر على استخراج كنوز المعرفة من آياته واستنباط دلائل إعجازه المنبهرة أمام أفئدة العالمين..

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

بقلم: علي عيد

تعليقات

تعليقات