طوال عقود من السنوات، كان الصحافي الفرنسي غابريال داردو مراسلاً لعدة صحف وإذاعات من مصر ولبنان وغيرها، بحيث لقب في النهاية بعميد المراسلين الأجانب في الشرق الأوسط، ولقد غطى العديد من الأحداث من وصول فاروق إلى عرش مصر إلى اعتقال بشير الجميل في بيروت.
وهنا في هذه الصفحات من مذكراته التي أصدرها بعنوان «30 عاماً على ضفاف النيل» يحدثنا داردو عن سفير ألمانيا في مصر في الثلاثينات وعن انشقاق السفير عن النازيين، كما عن زيارة كان غوبلز يريد القيام بها إلى مصر فأربكت القاهرة كلها.
خلال الأيام الأخيرة من عام 1937، أوصلت السفينة الألمانية التابعة لشركة «دويتش اورينت لاين» الذاهبة إلى اليابان والتي ألقت مرساتها في بور سعيد في مصر، المفوض الألماني الجديد في مصر البارون فرنر أوف فاستندورف، إلى مقر عمله الجديد في بلاد النيل.
ومن بور سعيد كانت قد حجزت له عربة قطار قادته إلى القاهرة. وهو في ذلك المساء نفسه، احتل مقر المفوضية في العاصمة المصرية وكان عبارة عن دارة فسيحة في شارع قصر الدوبارة، في حي غاردن سيتي، على بعد خطوتين من المبنى الضخم الذي تشغله السفارة البريطانية.
كان الاستقبال الذي خص به الدبلوماسي الألماني النازي باردا، غير أن هذا لم يفاجئه كثيرا...ففي مقر وزارة الخارجية الألمانية لم يخف عنه احد قبل إرساله إلى مصر، كنه صعوبات المهمة التي تنتظره: فالفوهرر وحكومته كانا سيئي السمعة على ضفاف النيل خاصة أن سياسة النازيين العنصرية كانت نبهت المصريين... ناهيك بان القوميين العرب الذين كانوا على شيء من الحماسة لتداول الأمر، صدموا حين قرأوا كتابه «كفاحي» ليجدوا انه وضع أمته في أدنى سلم التراتيب بين الأمم، لا يدنو عنهم فيه سوى اليهود.
ثم إن سلالة محمد علي كانت تقيم تقليديا علاقات مميزة مع الجالية اليهودية القوية في مصر. كما أن الحاخام الأكبر ناحوم أفندي، الذي كان ممثل تركيا في مفاوضات لوزان في العام 1927، كان عضواً دائماً في مجلس الشيوخ ومستشاراً مقرباً من الملك فؤاد. أما زوجة زعيم الطائفة مدام يوسف قطاوي باشا فكانت كبيرة وصيفات الملكة نازلي وتعامل كخالة محترمة من جانب الأمير الشاب فاروق الذي كان يمضي يوما في قصرها الفسيح في كل أسبوع مع شقيقاته الأميرات.
وكان هذا كله لا يكفي لإزعاج المفوض الألماني، فجرى حادث في برلين كاد يؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وألمانيا في ذلك الوقت بالذات: كان الوزير المصري نشأت باشا يتنزه في شارع اونترـ لندن البرليني حين وجد نفسه فجأة بين مجموعة ضارية من شبان نازيين انطلقوا يطاردون كل من يعتقدونه يهودياً وشاءت الصدفة ألا يكون الوزير المصري قد احتفظ على رأسه بالطربوش الأحمر الذي كان يمكن أن يحدد هويته...
بحيث أن الشال الحريري على وجهه كشف لونه الخمري ما جعله يبدو يهودي السمات... فكان أن حدث ما حدث: ضرب واهين ومزقت ثيابه وكسر له ضلعان، وحين شكا الضاربين للسلطات الألمانية يبدو أنها لم تهتم واكتفت بتقديم الاعتذار، فكان إن استدعت مصر سفيرها وفعلت ألمانيا الشيء نفسه، دون قطع العلاقات.. وإذ سافر السفير الألماني السابق إلى مدريد، حل مكانه البارون أوف فاستندورف، الذي كلف في آن معا بتقديم رسالة تعلن سفر سابقه ورسالة أخرى تتضمن كتاب اعتماده.
وهكذا كانت الأمور حين وصل... لكنه لم يأبه كثيرا، فهو كان يرى أن امتياز تكلمه العربية سوف يعطيه في العاصمة المصرية مكانة ما، ولكنه حين بدأ يخاطب محاوريه في مصر وعلى رأسهم الأمير الوصي محمد علي بالعربية فوجئ بهم جميعهم يردون بالفرنسية كما جرت العادة لديهم.
من الناحية السياسية كان سعادة السفير المفوض قد افهم في برلين بان الوطنيين المصريين المنضوين تحت لواء حزب الوفد والمناصرين له كانوا يكنون للهيمنة البريطانية كراهية عظيمة، ما يعني أن في إمكان السفير، بشيء ضئيل من الجهد أن يقوم الأمور ويعدل الموازين الشعبية لصالح ألمانيا الهتلرية في مصر...
كما قيل له ان في إمكانه من اجل هذا أن يعتمد أيضا على عدد من أمراء العائلة المالكة المناصرة لبرلين ولأعيان الأتراك المبجلين لهتلر... بل إن بعضهم كان قد تلقى تدريبه العسكري في المدارس البروسية. كل هذا أوضحته وزارة الخارجية الألمانية للسيد السفير.. ولكن سها عن بالها شيء واحد، وهو أن السفير نفسه كان يكن احتقارا شديدا لهتلر.. ولشبانه ولصليبه المعقوف، على رغم انه، أي السفير، كان شديد الولاء لوطنه الألماني،
ومنذ وصوله إلى القاهرة لاحظ السفير انه يعامل بكل ترفع كالمصاب بالبرص من قبل غالبية المصريين، ومن قبل الانكليز والفرنسيين والبلجيكيين، لذلك قرر ذات يوم أن يضرب ضربة قوية من شأنها أن تعيد إليه اعتبار ذاته، وان تضع خاتمة لمهنته الدبلوماسية.
ولان الوقت كان يدهمه قرر أن يسوي بسرعة مسألة خلافته. ومن برلين كان الدكتور غوبلز، وزير الدعاية النازي، قد اعلمه بإرسال ملحق جديد مرتبط مباشرة بوزارة الدعاية، لذا عليه أن يعمل معه سوية من أجل «التأثير على الرأي العام العربي تأثيرا عميقاً»، وكان غوبلز قد فكر بان يتوجه بنفسه إلى القاهرة في زيارة رسمية يصطحب خلالها عائلته في رحلة عبر الصعيد، وحين أنبئ أوف فاستندورف بهذا اعلم بالأمر القصر الملكي المصري ووزارة الخارجية.
وجرى اقتراح عدة مواعيد للزيارة، لكن الدوائر الدبلوماسية المصرية سرعان ما أبدت خوفها بل رعبها إزاء ذلك المشروع. وحين علم السفير البريطاني بالأمر، أعلن انه سيكون من المستحيل عليه أن يشارك في أي احتفال يقام لتكريم الوزير النازي أن حضر حقا إلى مصر واستقبل بصورة رسمية، خاصة وانه ـ أي السفير البريطاني ـ يعتزم القيام برحلة تأملية طويلة إلى دير سانت كاترين في صحراء سيناء.
أما المفوض الفرنسي فانه اعتذر بدوره إذ فوتح بالأمر: أن عليه أن يشارك في مؤتمر لعلماء فرنسيين سيعقد في الوقت نفسه في بلاد النوبة، وبدورهم راح كل من المفوضين البولندي والتشيكي والنمساوي والبلجيكي والهولندي، العاملون في القاهرة يبحثون عن أعذار للتملص من استقبال غوبلز، تبعهم في هذا الاسكندينافيون والسويسري وغيرهم.
واه كم كانت سعادة هؤلاء جميعا حين تراجع الدكتور غوبلز عن مشروعه بنفسه، قائلا أن الوقت الآن لا يسمح له بزيارة الشرق، ذلك أن قضية المناطق التشيكية كانت قد بدأت تتضخم، ما يعني أن وجوده إلى جانب هتلر كان ضروريا في تلك الساعات الحرجة.
ومرت الشهور لتعود الأزمة يوم 18 مارس 1929، حين استولى هتلر على براغ، وطلب إلى ممثله في القاهرة أن يحتل المفوضية التشيكية. وهنا لم يكتف البارون برفض رفع علم الصليب المعقوف فوق مقر زميله التشيكي، بل زاره بصفته الشخصية وعبر له عن تعاطفه مع التشيكيين، وعلى الفور وصلته برقية تطلب منه بكل صرامة أن يتوجه إلى برلين ليفسر تصرفاته،
وطبعا لم يتوجه البارون إلى هناك بل أبدى صمتا أمام حارسه النازي ثم ترك دار المفوضية الألمانية ليقيم مع زوجته في فندق كونتننتال المواجه لأوبرا القاهرة. وبعد يومين ارتدى ثيابا بيضاء وربطة عنق بيضاء وتوجه ليحضر حفلا موسيقيا تقيمه اوركسترا فلسطين السيمفونية في قاعة بالجامعة الأميركية. وهناك أمام أعين زملائه المندهشة وأمام ذهول الأعيان المصريين، وقف ليخاطب العازفين اليهود في الاوركسترا مهنئا إياهم على عزفهم،
علما بأن بعضهم كان هرب من الغوستابو في ألمانيا. وكان تعليق السفير البريطاني في أذن زميله الفرنسي «أن هذا الرجل ينتحر». لكن البارون اصطحب زوجته صباح اليوم التالي وتوجها إلى بور سعيد حيث ركبا باخرة سافرت بهما إلى يافا، وحين علمت السلطات المصرية بالأمر، كان لديها من الوقت ما يكفي لإطلاق قذيفة مدفع حيث شجاعة ذلك الدبلوماسي الذي تمرد على هتلر.