«أتمنى أن أصل إلى القمر وألمس النجوم» تقول دينا جلال المتحدث الرسمي باسم اللاعبين والاولمبياد الخاص للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعندما تستفزها أمها وتطلب منها أن تحلم بشيء واقعي. «بدي ألبس مثل رواد الفضاء، بزة فيها هواء وأطير» تضيف دينا وهي تضحك، وتطلب من أمها أن تعطيها فرصة لتكمل كلامها.

دينا ليست كبقية بنات جيلها، ولدت مختلفة مصابة بمتلازمة داوني. تمكنت بإرادتها الصلبة، وثقتها بنفسها، ودعم واهتمام والديها، أن تنال جزءاً من حقها في الحياة. ولدت في القاهرة عام 1970، وتصر على أنها في الثالثة والثلاثين من العمر، من دون أن تكشف السبب. تتذكر أنها من قرية نائية اسمها «منوفية سيق الصحاك» لم تزرها إلا مرة واحدة فقط، حيث أكلت الفطير، وركبت حمارا ناء بحملها فهم بالهروب طارحاً إياها على الأرض وراءه!

بطلة اولمبية

تلقت دينا دروسها في مؤسسة متخصصة في القاهرة اسمها «الحق في الحياة». تعلمت مهارات كثيرة من بينها رياضة رمي الجلة التي اختارتها من بين العاب أخرى لأنها «تعطيها القوة التي تريد في يديها». «شاهدني المسؤولون في مصر وأنا ارمي الجلة في المركز الاولمبي في المعادي، فقالوا ان مستقبلي هايل. لعبت على مستوى الجمهورية ثم أفريقيا وحققت نتائج جيدة «تقول دينا.

ثم تستفيض بشرح تفاصيل رحلاتها التي بدأت عام 1995 ولا تزال مستمرة. «سافرت أول مرة إلى لبنان، ونلت ميدالية ذهبية في رمي الجلة وحصلت على كاس المستقبل، وما أن حملت الكأس حتى انهالت علي طلبات المصورين لالتقاط الصور التذكارية، كنت في قمة سعادتي. لم يسبق أن حصل لي مثل هذا من قبل، وبعد لبنان سافرت إلى كونكتت في الولايات المتحدة، وكنت ضيفة شرف هناك». تقول دينا.

متحدثة أولمبية

مرت سنوات طويلة من السكينة، حتى منتصف عام 2003، رن جرس التلفون في بيت دينا، ودعيت إلى حفل رسمي في القاهرة «لبست ثياباً شيك ولبيت الدعوة مع أهلي. هناك فوجئت بمصطفى جلال جوهر المتحدث الرسمي باسم اللاعبين والاولمبياد الخاص للشرق الأوسط وشمال إفريقيا يناديني من بين عشرات المدعوين ويسلمني الراية الاولمبية معلنا أنني المتحدث الرسمي الجديد. فرحت جدا، وعرفت أن الاختيار جاء لأنهم يريدون واحدة حلوة مثلي وقوية».

بعدها سافرت دينا إلى تكساس في رحلة رافقتها فيها ياسمين جمال السادات، وياسمين أبو فريخة من المركز الإقليمي للألعاب الاولمبية الخاصة في القاهرة. «لم أكن اعرف شيئاً عن الرحلة طلبوا مني أن احضر مايو فخفت لأنني لا اعرف السباحة».

تلقت دينا في تكساس تمرينات رياضية خاصة بالقادة، تدريبات إدارية وأخرى تتعلق بالكشف الصحي وحملات التوعية والإرشاد. واستكملت ورش التدريب في تونس حيث عقد مؤتمر إعداد القادة على هامش الألعاب الاولمبية الخاصة الإقليمية. وبعدها سافرت إلى كارولينينا الشمالية في الولايات المتحدة لمزيد من التدريب. ثم سافرت إلى بنما.كما زارت اليابان حيث جرت الألعاب الاولمبية الخاصة لعام 2005، وحضرت اجتماعات الأسر وساهمت في وضع خطط السنوات الخمس المقبلة.

رسامة وموسيقية

تتحدث دينا عن نفسها بفخر واعتزاز، وتذكر يوم كرمت عقيلة الرئيس المصري سوزان مبارك بعثة مصر للاولمبياد الخاص «حضرتها بصفتي المتحدث الخاص أعديت كلمة هائلة ألقيتها في المناسبة. وصفق لي الجميع».تلخص دينا بحزم حاجات اللاعبين الاولمبيين ذوي الاحتياجات الخاصة بضرورة تعريفهم بأهمية الكشف الصحي ووجوب إكماله.

كما تطالب اللاعبين بزيادة عدد بعض المسابقات كالركض وتنس الطاولة... تعزف دينا البيانو بالفطرة، لم تدرس الموسيقى أبدا، ولكنها قادرة على حفظ أي لحن وعزفه بمهارة، وهي رسامة أيضا شاركت في معارض عدة في مصر. ترسم بالشمع الفراشات وأشكالاً من الطبيعة والمساجد أيضا.

تزور دينا دبي للمرة الثانية في زيارة ترويجية، ولا تخفي إعجابها بالمباني الشاهقة، وكثرة الأسواق التجارية وضخامتها التي لم يسبق أن رأت مثلها من قبل، وهي ستكون في دبي عام 2006 للمشاركة في الألعاب الاولمبية الخاصة الإقليمية ولتسليم الراية لمتحدث جديد.

وستحتفظ دينا بوظيفة حظيت بها في المركز الإقليمي للاولمبياد الخاص في القاهرة. تذهب كل يوم إلى العمل في التاسعة صباحا وتبقى حتى الخامسة مساء. لديها مكتبها الخاص وجهازا كومبيوتر وفاكس. تطبع رسائل و كتيبات، ترسل «الفاكسات» وترد على التلفونات.

تقول «أنا صديقة الجميع، في المكتب يحبونني ويسألون رأيي. يقول لي مستر أيمن (مدير المركز الإقليمي) انه لا يستغن عني أبدا، لأن دمي خفيف، وأضحكهم كل الوقت. كما أنني ملتزمة وعلى قدر المسؤولية».ماذا عن الزواج؟ تنتفض دينا وتجيب بحزم «العائلة والأولاد قيد لا أرغب بهما. أريد أن أعيش حياتي وأتمتع بها. لا يمكن أن اترك ما وصلت إليه لأتزوج ويصير هناك من يتحكم في».

تشريعات

لضمان الحقوق

لم تكن فاطمة صقر والدة دينا تتوقع أن تصل ابنتها إلى هذا المستوى، فالأولاد الذين يعانون تخلفا ذهنيا نادرا ما يحظون بفرصة كاملة للعيش حياة طبيعية، فالمجتمع لا ينصفهم، ولا تنكر الأم صدمتها عندما رزقت بطفلة مختلفة «كنا في السبعينات من القرن الماضي لم يكمن المجتمع ليقبل مثل هذه الحالة. خفت عليها وعلى المستقبل الذي ينتظرها.

وجدنا صعوبة في إيجاد مدرسة لها. قبلت التحدي ولم أخبئ الفتاة، بل منحناها أنا ووالدها كل الاهتمام، حتى أن شقيقتها كانت تشعر بالغيرة منها». ترى فاطمة أن ابنتها تغيرت عندما تحملت المسؤولية واختلطت مع أناس طبيعيين، صارت تقلدهم بملابسهم وكلامهم، وتغيرت مفرداتها وزاد اهتمامها بمظهرها.

تثير الأم قضية إنصاف المعوقين عقليا، وتطالب بتشريعات تؤمن لهم فرص العمل وكسب المال لضمان لهم مستقبل كريم لهم. وتشير إلى التجربة الألمانية حيث تعفى الشركات من جزء من الضرائب عندما تشغل من ذوي الاحتياجات الخاصة. وتختم دينا لقاءها معنا بشكر والدتها التي ساعدتها «منذ كان عمرها ست سنوات، نصحتني كثيرا. تخاف عليّ وتستمع إلي. فالبنت الحولة تسمع كلام أمها ولا تعذبها».

كارول ياغي