نمط الحياة المتسارع والمتغير فرض على المجتمع أسلوباً متطوراً أو بمعنى أدق حديثاً، ولكن تبقى العادات والتقاليد الأصيلة في الذاكرة، وقليلون هم الذين يحافظون عليها، وجمعة علي الدرمكي هو أحد هؤلاء تميز بحرصه المتواصل على حماية التراث وإحيائه في المناسبات، فكان لنا معه هذا اللقاء للتعرف عليه عن قرب واسترجاع ذكريات الزمن الجميل في شهر رمضان.
جمعة الدر مكي صاحب مشروع سياحي في مدينة العين يهدف إلى الترويج لتراث مدينة العين والحفاظ على هويتها التراثية وبدأه منذ ثماني سنوات بمرسوم من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله، حيث يقوم بتنظيم رحلات للسائحين الأجانب إلى مدينة العين تستغرق يوماً كاملاً أو أكثر، بالسيارات (الفورويل) أو رحلة على ظهور الجمال ويطوف السائح ربوع مدينة العين وصحرائها.
ويفضل بعض السائحين التخييم لمدة يوم أو أكثر مع توفر وجبات غذائية وخيام مجهزة وجلسات شواء (باربيكيو) لحفلات رأس السنة، وهناك إقبال كبير من قبل السائحين وقد صورت قناة (الديسكفري شانل) فيلماً عن مدينة العين بالتعاون مع جمعة الدرمكي، كما أن هناك فكرة لتوسيع المشروع على مستوى أوسع خارج نطاق مدينة العين.
ذكريات رمضان
ويتحدث العم جمعة عن ذكرياته في شهر رمضان: يبدأ بتحري هلال الشهر الكريم ولا يقتصر التقصي على فئة معينة بل كل منطقة تهتم برؤية الهلال وينشر خبره بين المناطق، والجهات الرسمية تطلق المدفع تأكيدا على بدء الصوم، والحياة في الماضي كانت مزيجا من التعاون والإيثار فتجد (الهنجري)، أو التاجر يقوم بمساعدة المحتاجين بتقديم (الميارة) وهي عبارة عن مواد غذائية أساسية مثل الطحين والأرز والسكر،
ولا يقتصر تقديم المساعدات على التجار بل يقوم أفراد المجتمع الواحد (الفريج) بتقديم كل ما يستطيعون تقديمه من لبن البوش أو قهوة (يونيه أو صيفية) طحين أو عيش طحين سكر.وفي وقت الإفطار كل منزل يسهم في تقديم نوع من طبق معين.
ويصف جمعة الدرمكي إيقاع اليوم في رمضان ويقول: لم تكن أوقات العمل في رمضان تتغير أو تختلف كما هي اليوم فبعد صلاة الفجر يذهب كل إلى عمله، وكان التجمع وقت الإفطار من الضروريات فمن غير المستحب أن يفطر الرجل مع أفراد عائلته بل يجب أن يفطر الرجال معا وكذلك الأمر بالنسبة للسيدات.
وبعد صلاة التراويح يقوم المقرئ بقراءة القرآن ويحرصون على ختمه أكثر من مره تصل إلى خمس مرات، ومع قرب نهاية الشهر الفضيل يجتمع أهالي الفريج فيما بينهم لختم القرآن بصورة جماعية وتقام المأدبة خاصة أو (القهوة) كما كان يطلق عليها في الماضي، لهذه المناسبة ويجتمع كبار القبائل، وكان للنساء حضور ويفصلهن عن الرجال حاجز، ومازلت إلى اليوم حريصاً على أن اختم القرآن مع أولادي أكثر من مرتين.
وعن أنواع الطعام المتوفرة يقول: لم تكن متنوعة كما هي اليوم فالتمر والعيش(أرز) والخبز والقرص هي الأصناف المتاحة في ذلك الوقت، أما الفواكه فهناك اليح (الشمام) والبطيخ ويتوفران عند الأشخاص الذين يملكون مزارع أو (المراغة) كما كان يطلق عليها، أما الحبوب مثل القمح فكانت تزرع في ارض كبيرة تسمى أم الحصى غرب منطقة الهيلي في العين،
ولم تكن ارض هيلي هي الوحيدة بل هناك منطقة المعترض والمويجعي وكانت تروى من مياه الافلاج، وروح التعاون لم تكن غائبة أبداً عن موسم الحصاد وكان كل فرد يحصل على أربعة مكاييل من القمح مكافأة على خدماته ومساعدته.ونظرا لعدم وجود أيد عاملة كان الأشخاص يتعاونون فيما بينهم، أما الشخص المسؤول عن النخيل ويسمى (البيدار)، فهو يهتم بكل ما يخص النخيل وتعهد إليه من عشر إلى اثنتي عشرة مزرعة.
دور المطوع
حول التعليم في الماضي يقول: كان يوكل به للمطوع بتحفيظ القرآن الكريم، وكان الأولاد والبنات يجتمعون في بيته والذي غالبا ما يكون وسط الفريج، أو تحت شجرة مثل (الغاف)، وتكون حلقات الحفظ على فترتين صباحية ومسائية، وهناك من يختم القرآن في سنة أو سنتين.
ويقوم أهالي الفريج بمكافأة المطوع باعطائة محمدية أو عباسية او روبية وهما عبارة عن عملات معدنية هندية لا تتجاوز خمسة وعشرين فلساً، وأما ميسورو الحال: فيقدمون الميارة، والقليل هم الذين كانوا يسافرون لإتمام تعليمهم في الخارج في تلك الفترة، وقد حفظت القرآن على يد حميد بن عبيد في القطارة.
ومن العادات القيمة التي ميزت الماضي يقول العم جمعة إكرام الضيف واجب فيتم استقباله بكل ترحاب ويقوم احد أفراد الفريج بإعداد عشاء يليق به فلم تكن تقدم الذبائح إلا في المناسبات المهمة، ويطلق عليه كرامة، وتوجه الدعوى لجميع أفراد الحي وإذا استعصى الحضور على احد يرسل نصيبه من العشاء إلى بيته.
وبعد قضاء الضيف ليلته الأولى يقوم بإخبار المضيف عن مقصده (أي سبب الزيارة )، وإذا أمكن قضاؤها من قبل فتتم بسرية، أما إذا لم يستطع المضيف فانه يخبر أهل الفريج أو إذا كان يطالب بحق من احد أفراد الفريج على سبيل المثال يلزمون الشخص برده كالمال مثلاً، وإذا لم يتوفر لديه فإنهم يتعاونون فيما بينهم ويجمعون المال لسداد الدين.
حوار : نورا الظاهري
