يستذكر عميد المسرح المغربي الصديقي والذي مارس الفن المسرحي حوالي ستة عقود، شهر رمضان بأجوائه الظليلة الخاصة، بكثير من الوله، كونه يمثل بالنسبة إليه فرصة للتأمل في الحياة والنفس، ويستذكر معه الجمع العائلي وحكايات «ألف ليلة وليلة» التي كانت ترويها أخته الكبيرة كل ليلة رمضانية، وكانت بذلك تزرع البذرة الأولى لتوجهه نحو أبي الفنون.
* ماذا يمثل لك شهر رمضان؟
ـ انه شهر روحاني لا يضارعه في أجوائه الروحية أي شهر من شهور السنة، واعتدت فيه أن أسلم نفسي لبوح من نوع خاص، وهو بوح يندرج ضمن ما يسمى عند الإغريق بتطهير النفس، وأستعيد محطات حياتي، حياتي بما لها وما عليها، كما أقف لتقييم تجربتي بتأمل شديد، فرمضان بحد ذاته محطة، أو قل قارب نجاة من خطر الاستغراق في اليومي والمألوف.
* هل نستطيع أن نتوقف معك في محطة من محطاتك الرمضانية؟
ـ أنت تدعوني للحديث عن حياتي الخاصة التي لم يسبق لي أن تحدثت عنها، ولا جعلت من الحديقة السرية لعائلتي موضوعا للنشر، رغم أنني وصلت سنا معينة وراكمت تجربة تسمح لي بالرجوع شيئا ما إلى الوراء، لكن دون التوقف والاكتفاء بالالتفات خلفا.
لقد اعتدت في الماضي أن أقضي رمضان وسط عائلتي، وأقصد بعائلتي، والدي المرحوم العلامة محمد بن سعيد الصديقي، ووالدتي المرحومة السيدة محجوبة، وإخواني وأخواتي، عائشة، أمينة، السعيد والصديق رحمهم الله، عبد الهادي، حليمة، نفيسة، مرية وعبد الرزاق، أما اليوم فعائلتي هي زوجتي أمينة التي تسمى بالمناسبة «أميرة» وأبنائي.
في رمضان تلك الأيام البعيدة، كانت أختي لالة عائشة، التي نطلق عليها لقب «خيتي» تقرأ لنا، نحن إخوتها الصغار، فصولا من «ألف ليلة وليلة» كل ليلة رمضانية، والعجيب أنها، وتفاديا لإفزاعنا، كانت تقفز على كل الفقرات التي تحمل صور العنف أو الخوف، مثلا «مريم الزنارية»،
لكنها توصينا بقراءة الفقرات نفسها في الغد الموالي حتى تكتمل لدينا الصورة. أختي هذه، كانت نِعم المدرس المتمكن من أدوات التلقين الناجعة لاكتساب المعرفة وتوسيع آفاق خيال الأطفال، وهي بالمناسبة من ساعدني، وإن كان بأسلوب غير مباشر، على وضع قدمي الأولى في ميدان المسرح.
* إلى أي مدى ساهمت تلك الليالي الرمضانية في توجهك نحو المسرح؟
ـ ينبغي الاعتراف هنا أن والدي ظل دائما أستاذي الأول وأستاذي الكبير كذلك، وليس لدي ما أفتخر به، سوى أنني ولدت بين الكتب. كنت، وأنا صغير، أرى والدي يعود كل مساء محملا بالجرائد والمجلات والكتب والموسوعات. وكان يجعل من القراءة، طقسه اليومي. أما بيتنا فقد كان عبارة عن مكتبة كبيرة تضم أمهات المؤلفات في مجالات معرفية مختلفة، وكان طبيعيا، أن يبتلى صغار هذا الفقيه العلامة بـ «داء» القراءة.
وإذا كان لرمضان من إسهام في توجهاتي اللاحقة، فبسبب تلك الحكايات التي كانت ترويها «خيتي»، والتي كان خيالي يجسدها إلى شخصيات متحركة حتى قبل أن أرى خشبة المسرح، أو أعلم آنذاك أنها ستحدد مشوارا ما في حياتي. وبتأثير من تلك الحكايات والأجواء الروحية التي تروى فيها أحببت اللغة العربية، رغم أن والدي كان حريصا أيضا على أن نتعلمها أولا وقبل كل شيء، اعتبارا منه أن اللغة هي الأداة الأساسية لولوج العلوم من أبوابها الواسعة.
غير أن التأثير المباشر على تجربتي كان للقرآن الكريم الذي كنت أعكف كبقية أفراد العائلة على تلاوته بعد الإفطار، وكلما زاد حفظي للقرآن، تضاعفت قدرتي على تعلم قواعد اللغة، وبالتالي الاهتمام بكتب التراث، لذلك تجد أن أعمالي المسرحية مستوحاة في غالبيتها من ذاك الخزين التراثي الثر، مثل «مقامات الحريري» . وبتأثير من هذا التراث شاركت مع أندري باكار في تأليف كتاب «الفنون التقليدية في المعمار الإسلامي».
* وهل بهذا التأثير كانت دعوتك، أواخر الستينات، إلى مسرح عربي ـ مغربي مغاير يستفيد من معطيات المسرح الغربي؟
ـ بدون شك، فقد تأسست الدعوة على اللجوء إلى التراث سواء كان تاريخا أو شكلا مسرحيا، وفي غمرة هذا التوجه، فتح المجال أمام توظيفات فنية للأشكال ما قبل المسرحية كـ «الحلقة»و«البساط» والفنون الشعبية كـ «الملحون» و«التهاليل»، ولكن للأسف تولدت أيضا نزعة شكلية في الجسد المسرحي المغربي على حساب المضمون.
* متى شاهدت أول عرض مسرحي؟
ـ كنت في سن العاشرة من عمري. كان يأخذني والدي إلى المسرح البلدي بالدار البيضاء، وهو نفس المسرح الذي سأعين مديرا له بعد ذلك بسنوات، أي ما بين 1964 و1976 وأذكر الآن أول مرة وضعت فيها قدمي بهذا المكان الجميل، كان مسرحا مبنيا على الطريقة الإيطالية، قاعة كلها حمراء وأرائك وثيرة، وكان العرض قد ابتدأ حين دخلت بصحبة والدي، وحملتني سعادة غريبة
وأنا أرى ممثلين يلعبون ميلودراما للبشير العلج، نجم كبير حينها، عنوانها «بين يوم وليلة» كنا جالسين بعيدا عن الخشبة، ووجدت صعوبة في مشاهدة الممثلين، فانسللت من مكاني دون أخذ إذن من والدي لألتصق بحافة الخشبة آنذاك فقط أصبحت الفرجة شيقة للغاية. منذ ذلك الوقت المبكر أدركت أن المسرح هو المكان الوحيد الذي يحتل فيه الفقراء الأماكن العليا، بينما يجلس الأغنياء في الأماكن السفلى، ولا مكان آخر غير المسرح يمكن أن يحدث فيه هذا الإنصاف!
