يعبر الدكتور عبد الوهاب المسيري عن اتجاه متميز في الفكر العربي والإسلامي المعاصر ، لا يقف في كليته عند نقد الحداثة الغربية من الداخل ولكن بما يملكه من أدوات ومنهجية خاصة تختلف عن المعتاد من منهجيات الفكر الإسلامي التقليدي ، ولأن دراساته الرائدة في اليهود واليهودية والصهيونية هي الأكثر شهرة .

وربما طغت على سائر أطروحاته وكتاباته التي تمتد من نقد تصورات الآخر لنقد تصوراتنا عنه ثم لإعادة بناء تصورات إسلامية المعرفة والإسلام الحضاري المستوعب والمتجاوز وليس المنقطع العدو مؤبدا كان هذا الحوار معه حول الفكر الإسلامي وتحدياته ومشاكله.

* بداية دكتور المسيري كيف ترون تركيز الفكر الإسلامي المعاصر على الغرب كأصل لكل مشاكلنا مطلقا وفقا لنظرية المؤامرة التي تصبغ هذا الفكر؟

ـ نحن لا نعلق كل شيء على الغرب، كما لا نقبل أن يكون شماعة نضع عليها كل أخطائنا ، ولكن ما ينبغي معرفته هو أن الغرب حقيقة تاريخية كبرى في العصر الحديث، وإن دراسة أي ظاهرة سواء في العالم الإسلامي أو العالم الثالث، دون أخذ الغرب بالاعتبار تعتبر مسألة مستحيلة.

أنا أرفض التفكير التآمري سواء ضد الدولة الصهيونية أو ضد الغرب فهو ليس سوى قناعة بالشلل والجمود وهبة الفعل للآخرين. نعم إن التحدي الأكبر الآن يأتي من الحداثة الغربية الداروينية، وإن فهم كنه هذه الحداثة مسألة أساسية في التعرف على أولوياتنا.

فهذه الحداثة لها جاذبية شديدة، مثل الخطاب الفلسفي المادي، وهو خطاب مريح لأنه يتوجه لمسائل مباشرة ومادية ملموسة وجذابة من خلال أدواتها المختلفة في نفس الوقت. ولكن ثمنها ممتد في مختلف جوانب حياتنا بدءا من الأسرة حتى شيوع الثقافة الاستهلاكية، التلوث البيئي والأخلاقي، اللجوء للحبوب المهدئة وتزايد السرطان.كما أن الحداثة الغربية مرتبطة تمام الارتباط بالإمبريالية؛ فالإنسان الغربي ما كان بمقدوره أن يحقق ما حققه من تقدم لولا النهب الاستعماري الذي استمر زهاء أربعة قرون.

* كيف تقرأ سيادتكم أطروحات النهضة العربية والإسلامية التي كان سؤالها«لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا» منذ القرن التاسع عشر؟

ـ أعتقد أنه كان سؤالا خاطئا، لأن المطلوب أن يعرف التقدم قبل أن يقول لماذا تقدم الآخرون. أولا، لأن هذا التقدم ـ كما قلت ـ له ثمن، ثانياً، التقدم يكون دائما نحو شئ ما، وبالتالي ما هو هذا الشيء؟ فكل هذه الأمور تحتاج إلى توضيح، وكما أقول دائما، إنه بعد الستينات، أصبحت منظومة التقدم الغربية بحاجة إلى إعادة تقييم،

فبالتالي أصبح هذا السؤال غير ذي موضوع الآن. كما أن معظم الأسئلة التي اشتغل بها أو يشتغل بها الفكر العربي والإسلامي هي أسئلة يمطرنا بها الآخر ، تطرح علينا ولا نطرحها على أنفسنا؛ لأن منظومة الحداثة الغربية فرضت نفسها لأنها منظومة عالمية ناجحة، فطرحت علينا الأسئلة وكانت المسألة حتمية.لكن آن الأوان الآن كي نبدأ في كتابة الأجندة الفلسفية الخاصة بنا، وهي مختلفة عن الأجندة الفلسفية للغرب، وكما قلت، كل شيء تغير بعد الستينات، بعد أن دخلت منظومة الحداثة الغربية مرحلة الأزمة.

* دكتور المسيري فكيف ترون أطروحات الفكر العربي والإسلامي في هذا القرن وبخاصة الأطروحات الإسلامية المعاصرة ولماذا لم تنجح حتى الآن في أن تكون بديلا ملهما شأن ما كان للحداثة الغربية طيلة القرن العشرين؟

ـ حينما طرح المشروع العربي الإسلامي في النهضة تلخص في عبارة اللحاق بالغرب! وهذه العبارة قتلت الإبداع، لأنه إذا كان المطلوب اللحاق بالغرب فمعنى ذلك أنه لا إبداع خاصا بنا، وما أراه هو أن ما سمي بجيل النهضة كان جيلا مقلداً، حيث تحول التأليف إلى ترجمة الإبداعية، فنحن نترجم حين نترجم ونترجم حين نؤلف أيضاً.

فأعمال طه حسين ـ مثلا ـ ذيلية للغرب، طبعاً ابتداء من أواخر الأربعينات بدأ يبتعد عن الغرب وبدأ يدرك أهمية التراث في عملية النهضة، ونفس الشيء بالنسبة للآخرين، فالعقاد تعبير واضح عن عملية التراجع عن مسار الذيلية للغرب.

وكذلك الحركات الإسلامية - بالمناسبة- ذيلية للغرب، تحاول اللحاق به مع جملة من التعديلات التجميلية هنا وهناك.

فالمسألة بالنسبة لهؤلاء الإسلاميين هي فقط فصل بين الجنسين وحجاب المرأة، وبعد ذلك لا مانع أن تدخل الحداثة الغربية بكل إمكانياتها، غير مدركين أنها في نهاية الأمر حداثة منفصلة عن القيمة، وأنها نجحت في الغرب، أولا بسبب هذا الانفصال، وثانيا بسبب إخفائها لثمن التقدم عن الجميع.

* ترون سيادتكم أن الحداثة الغربية فقدت بريقها بعد الستينات رغم أن كتابات إسلامية أخرى عند المودودي وقطب رأته منذ الثلاثينات والأربعينات مع الحربين العالميتين فما الفرق؟

ـ إن هذا ناتج في جزء كبير منه عن انه لم يكن من الممكن كتابة تاريخ الحداثة الغربية إلا بعد الستينات تحديدا ؛ ففي هذا التاريخ حدث ما يلي: تمت علمنة نقط الحياة العامة لكن ظلت الحياة الخاصة منضبطة بتقاليد الحياة المسيحية؛ حيث كانت الحياة الأسرية متماسكة، ولم تكن ظاهرة الطلاق معروفة إلا بنسب ضئيلة لا تختلف عن النسب في بلادنا، لم يكن انتشار المخدرات أمرا معروفا، الحمل السفاح لم يكن معروفا، بعد الستينات بدأت كثير من مشاكل الحداثة الغربية تظهر.

* المفكر الدكتور المسيري ونحن في عصر الصورة على تعبيرات رولان بارت وهي تنقل لنا المعارف والسلوكيات كيف ترون مهمات الأجيال الجديدة من الباحثين العرب في مسائل الفكر؟

ـ الصورة في الحضارة الغربية شغلت مركزية غير عادية، والصورة لا تدعو للتفكير والتأمل، إنما تدعو للتلقي. بينما القراءة فيها جانب انعتاقي؛ لأن الكتاب يمكن أن تغلقه متى تشاء، وأن تتوقف لتتأمل فيما تقرأ، أما الصورة التي تظهر ـ مثلا ـ على التلفزيون،

فعليك أن تتقبلها بسرعة، والآخرون هم الذين يحددون لك الإيقاع، وبالتالي أعتقد أن الحفاظ على القراءة مسألة أساسية. كما انصح الأجيال الجديدة من الباحثين بتنمية قدرتهم على الحوار مع الذات ومع الآخر، على أن يكون البعد المعرفي قائما وموجودا وبشكل راسخ. دون تعصب أو تفكير تآمري في آن واحد.

حوار: هاني نسيره