أصدر المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق، سيرة الملك المملوكي الظاهر بيبرس، حسب الرواية الشامية، بعد ان حققها وعلق عليها جورج بوهاس وكاتيا زخريا اللذان أشارا في المقدمة إلى ان المخطوط تم نسخه في بداية عام 1949، وقد قام بنسخه محمد أديب المكاري.
ويعد نص هذا المخطوط، الدمشقي الأصل، مطابقا لرواية آخر حكواتي مارس مهنته على الطريقة التقليدية في العاصمة السورية، إذ، بحسب المقدمة، قد يقع الزائر في بعض مقاهي دمشق اليوم على «حكواتي»، إلا ان وظيفة هذا الأخير أصبحت سياحية أكثر منها اجتماعية.
الكاتب اللبناني حسن داوود كتب مقالا في صحيفة السفير عام 1981، ذكر فيه انه في هذا العام، سمع الحكواتي عبد المهيمن حمصي يحكي لسامعين قليلين، من رواد المقهى الشعبي، حكاية الملك الظاهر بيبرس. وكان الحكواتي حمصي يقرأ من مخطوط متوارث عن أبيه وجده اللذين كانا أيضاً من الحكواتية.
في ذلك المقهى، بحسب مقال داوود، كان ظاهرا ان مهنة الحكواتي كانت في آخر أيامها، اذ لم يكن السامعون سوى نفر قليل انتحوا ناحية من المقهى، فيما انهمك آخرون بلعب الورق غير آبهين لما يروى عن الملك الظاهر. وبين وقت وآخر، كانت تظهر وجوه أولاد تطل من بوابة المقهى مطلقة صفيرها الهازئ و«برزاناتها» على الحكواتي وعلى ما كان يقوله.
حسن داوود عنون مقاله ذاك «عبد المهيمن حمصي، آخر حكواتي في بلاد الشام».هل كان عبد المهيمن حمصي آخر حكواتية بلاد الشام فعلا؟ ذهبت ابحث عن حكواتي في مدن لبنان، ظاناً إنني، لا بد، سوف أجد واحدا في إحداها. خاصة واننا، حين نتكلم عن الحكواتي في أيامنا هذه، نخال انه موجود في مقهى ما، يجلس محاطا برجال يستمعون إلى ما يرويه، ولو كنا لا نراه فعلا، ولا نسمع قصصه.
ذهبت ابحث عن حكواتي، في مدن لبنان التي كان فيها حكواتية سابقا، يروون قصصا في مقاهيها القديمة، ويسلون أهلها ويثقفونهم في الوقت نفسه. لم أجد حكواتيا واحدا لأقابله. الحكواتي بات شخصية من الماضي، تجلس في مقاهي الماضي، وتروي قصصا لرجال مات معظمهم. البحث عن حكواتي، سرعان ما تحول إلى بحث عنه في ذاكرة كبار هذه المدن.
ذاكرة باتت بعيدة، غامضة. لم يعد الحكواتي قادرا على ان يشبه الحاضر، وشباب اليوم يكادون لا يقدرون ان يتخيلوا الحكواتي، كما كان، ولا قصصه، التي انقرضت معه.الحكواتي الذي نخاله، حين نتكلم عنه، لا يزال يروي قصصه في المقاهي، كأنه ليس من الماضي بل يعيش في ثقافتنا وذاكرتنا، الحكواتي هذا ليس إلا تراثا، إلا شخصية من ماض لم يعد.
مقاهي مدينة طرابلس، التي كان يروي فيها الحكواتية قصصهم في الماضي، لن تستقبل حكواتيا في شهر رمضان هذه السنة. كذلك مقاهي صيدا القديمة، وبيروت.الحكواتي شخصية شعبية، ومهنة عرفتها بلاد الشام منذ مطلع القرن التاسع عشر، وباتت اليوم شخصية فولكلورية، تراثية، أكثر منها شعبية، وباتت قصة قديمة أكثر منها مهنة.
شخصية الحكواتي مرتبطة بالمقاهي القديمة، حيث كان يروي قصصه أمام حشد من الرجال كانوا يؤلفون حلقة حوله، في حين يكون جالساً على مصطبته المرتفعة عن باقي أرضية المقهى. كان يدخل حاملا كتابه الذي يفتحه أمامه ولكن نادرا ما ينظر إليه ليقرأ فيه، لكونه يعرف قصته عن ظهر قلب، لكثرة ما رواها. يراه الرجال الجالسون في المقهى، فيتركون طاولاتهم، ويتجمعون حوله لسماع قصته، أو باقي قصته التي كان قد بدأها في الأيام السابقة.
ثم يبدأ بسرد الرواية، أو الحكاية، التي غالباً ما تكون عن شخصية تاريخية بطولية، كعنترة العبسي أو الملك الظاهر بيبرس، وتدور جميعها عن البطولة والشجاعة والشرف ونصرة المظلوم. وكان، في نهاية كل حكاية، ينتصر الخير الذي يمثله بطل الرواية، على الشر.
ويبقي الحكواتي جمهوره في تشوق دائم لمعرفة وقائع القصة، فيحرص على أن تنتهي أحداث القصة كل ليلة بموقف متأزم، والبطل في مأزق، حتى يحمّس السامعين لسماع بقية الأحداث وكيف سيخلص البطل نفسه من المأزق، في اليوم التالي.
الحكواتي كان يقوم بتجسيد شخصيات روايته وكلامهم بتحريك يديه والتلاعب بنبرات صوته. لم يكن يكتفي برواية القصة فحسب، أو بقراءتها، فكان يؤديها بأدوار شخصياتها المختلفة والمتعددة، فكان وجهه يتخذ ملامح مختلفة حين تتغير الشخصية، وكان يغير طريقة جلوسه، وطريقة تلفته، ويغير صوته، فيبدو مسكونا بشخصيات القصة كلها.
وكان عمل الحكواتي يمتد على مدار السنة كلها. فالقصّ كان مهنة بكل معنى الكلمة، وكانت تتوارث، كما المهن الأخرى، من جيل إلى جيل ومن الأب إلى الابن. وكان عمله يمتد يومياً على فترتين: بين صلاتي المغرب والعشاء، وهي فترة قصيرة لا تزيد على الساعة، وبعد صلاة العشاء وتمتد أحياناً حتى ساعات متأخرة من الليل.
عمل الحكواتي ليس مرتبطا اذن بشهر رمضان فقط كما نخال أحياناً. غير ان الحكواتي كان في رمضان يختار مواضيعه لتتناسب مع الشهر الفضيل والقيم التي يمثلها. وكان الحكواتي يتحدث عن هذه القيم وعن فضائلها في رواياته ويجسدها بتصرفات أبطال هذه الروايات. كما أن الصائم كان يحتاج إلى ما يسليه ويساعده على تمضية الوقت، والى وقت للراحة والترويح عن النفس، فكان يجد ذلك في جلسة الحكواتي.
الحكواتي شخصية من الماضي انقرضت. زالت كما تزول الأشياء التي لا يعود للناس حاجة إليها. اندثرت مع بداية التلفزيون، في الستينات، بعد ان قلت شعبيتها، وصارت شخصية سياحية، بعد ان كانت اجتماعية، شعبية.التلفزيون قضى على مهنة الحكواتي. دخل إلى البيوت، وإلى الأماكن العامة، وإلى المقاهي نفسها التي كان يروي فيها الحكواتي قصصه الملحمية. جاء التلفزيون وجعل الحكواتي يبدو فقيرا، لا يقدر على منافسة التلفزيون المتعدد البرامج، والشخصيات، والقصص، والأصوات.
سرعان ما أصبح الحكواتي، مع وصول التلفزيون إلى لبنان، كأنه صورة واحدة منه. بدا فقيرا رغم شخصيات قصصه المتعددة التي كان يجسدها، وبدا مملا، كأنه تحول من شخصيات كثيرة كان يروي قصصها، إلى شخصية واحدة، هي شخصية «الحكواتي».التلفزيون فتح للناس آفاقا جديدة، على قصص جديدة، وشخصيات اخرى، وثقافة جديدة. انتقلت معه القصة من زمن الماضي، الذي كانت فيه حين كان يرويها الحكواتي، إلى زمن الحاضر، كما يرويها التلفزيون.
لم يعد الماضي، مع انتشار التلفزيون، مكان القصص. فأصبحت تمس المشاهدين أكثر مما كانت تفعل، حين كان يرويها الحكواتي للمستمعين. لم تعد القيم والفضائل التي كانت تتسم بها شخصيات روايات الحكواتي الملحمية، تستطيع ان تنافس الهزلية والبساطة التي لدى شخصيات التلفزيون.
زال الحكواتي وزالت مهنته فلم نجد حكواتياً لمقابلته، ولم نجد الا رجالا قليلين ليحدثونا عنه وهم، بمعظمهم، يتحدثون عن غياب الحكواتي حين نسألهم عما يذكرونه عنه. يتهمون التلفزيون، ويبدون، حين يتحدثون عن الحكواتي، كأنهم يحنون إلى زمن مضى، كانت الأشياء فيه سهلة، وبسيطة، وكانت القصص فيه أكثر رمزية، وملحمية، من قصص اليوم.
أصبح الحكواتي شخصية من قصص الحكواتية، التي كانت دائما تتحدث عن الماضي، وعن عصور انقضت، وعن أبطال ضاعوا بين الحقيقة والخيال، وبين الحلم والواقع.يقال ان في بعض مقاهي لبنان وسوريا، قد يلتقي المرء بحكواتية، وقد استقبلت بعض المقاهي البيروتية في شهور رمضان الماضية أشخاصاً جاءوا يروون قصصا فيها.
غير ان ما قد نراه اليوم من حكواتية في المقاهي هم بعيدون كل البعد عن معنى الحكواتي الفعلي، ومهنته التي كان يتقنها ولا يتقن غيرها. هو أشبه بالمسرح، ما قد نجده اليوم في المقاهي، وهو تقليد لمهنة الحكواتي التي زالت منذ سنين عدة.
هؤلاء الذين يأتون لرواية القصص في المقاهي الحديثة، يؤدون دورا واحدا، وشخصية واحدة، هي شخصية الحكواتي، كما كان الحكواتية الأصليون يؤدون ادوار شخصيات قصصهم، كعنترة أو الملك الظاهر أو أبو زيد الهلالي وغيرهم. الحكواتي أصبح سياحيا، فولكلوريا، ورمزيا.
يأتي في شهر رمضان أحياناً بعض الرجال الذين يعملون في مهن مختلفة متعددة، ليؤدوا دور الحكواتي أمام السواح والشباب الذين لم يعرفوا حكواتيا حقيقيا، ويبدو، من خلالهم، الحكواتي كأنه أغنية طربية قديمة، تغنيها إحدى نجمات اليوم، بين أغنيتين حديثتين لا تشبهان الطرب ولا الماضي.
بيروت ـ فراس زينب
