في العام 1933، قام الصحافي الانجليزي روبرت بايرون الذي كان رحالة حقيقيا على الطراز القديم كما كان ذواقة جمال وفن، برحلة برية من البندقية إلى الهند، مرورا بلبنان وسوريا وفلسطين. وها هو هنا في هذه الصفحة المأخوذة من كتابه الذي نشره حول تلك الرحلة في عنوان «طريق أوكسيانا» يحدثنا، في لغة تتأرجح بين الطرافة والنزعة الصوفية عن يوم قضاه في بعلبك في لبنان ، حين كان في طريقه من بيروت إلى دمشق.
..منذ اللحظة التي وطأنا فيها هذه الضفاف، تعلمنا أن سعر أي شيء، من الجناح الملكي في فندق، إلى زجاجة الماء الغازي، يمكن أن يقسم على اثنين في المساومة، وذلك منذ اللحظة التي نتعلم فيها كيف نساوم ونقول إننا لن ندفع سوى النصف. والحال أن من أجمل تجاربنا في هذا المضمار، أي في مضمار اللجوء إلى المساومة الشرسة كانت في الفندق الذي نزلنا فيه في بعلبك.
أربعمئة قرش مقابل هذا؟ مقابل هذه الغرفة؟ هل حقا قلتم اربعمئة قرش؟ يا للسماء.. فلنهرب من هنا! ماذا؟ ثلاثمائة وخمسون؟ لا شك أنكم تعنون مئة وخمسين! هه.. ماذا؟ ثلاثمئة؟ هل أنتم صم أم ماذا؟ أو أنكم لا تريدون الإصغاء إلينا؟ لقد قلت مئة وخمسين قرشا.. ولن ندفع أكثر من هذا. هناك فنادق أخرى..
هيا بنا أعيدوا تحميل المتاع.. بل إنني لم أعد واثقا أننا سوف نبقى في بعلبك! ولكن أيها السيد، هذا فندق من الدرجة الأولى.. وسوف أمدكم فيه بعشاء فاخر يتألف من خمسة صحون. وهذه الغرفة هي الأفضل أيها السيد. فيها حمام وتطل على الآثار الرائعة.
-يا لرب السماوات! هل هذه الآثار ملك لك حتى تؤجرها؟ هل علينا أيضا أن ندفع ثمن الهواء الذي سنتنفسه هنا؟ ثم خمسة صحون للعشاء؟ هذا كثير. أما بالنسبة إلى حوض الحمام فإن شكوكا كثيرة تخامرني حول صلاحيته أصلا. أتصرون على ثلاثمئة قرش؟ طروها بعض الشيء.. ماذا تقولون مئتين وخمسين؟ حسنا ها نحن ذا نتقدم. أما أنا فأقول مئة وخمسين. وقد أصل إلى مئتين. هذا يفقدكم خمسين قرشا؟ حسنا اخسروها وسأكون لكم من الشاكرين. مئتان؟ لا؟ حسنا.
وهممنا بنزول الدرج والخروج من الفندق ملتفتين «وداعا.. عفوا؟ لست أسمعكم جيدا..مئتان.. حسنا.. اخذنا الغرفة»!
لاحقا خلال العشاء المؤلف من خمسة صحون، لم نتوقف عن مدح صاحب الفندق بفضل روعة بعض الطيور التي قدمت لنا معدة بشكل مميز. أجابنا: إنها من طيور الحجل أيها السادة.. طيور أربيها هنا في منازل صغيرة خاصة! في اليوم التالي علمنا أننا لكي نصل إلى آثار بعلبك لمشاهدتها عن كثب سيكلفنا الأمر خمسة شلنات في كل مرة ولكل شخص.
ولما كنا، بفضل مكالمة هاتفية من بيروت قد ضمنا تعرفة خاصة لأنفسنا.. دخلنا مسرورين. وبدأ الكلام معنا «تريد دليلا يا سيدي؟» صمت «دليل أيها السيد؟» صمت «ما الذي تريده يا سيدي؟» صمت «من أين انتم أيها السادة؟» صمت «إلى أين انتم متوجهون؟»
صمت «هل لديكم شؤون تقومون بها هنا؟» صمت «ألديكم شؤون في طهران؟» صمت «إذا ماذا تفعلون أيها السيد؟» «أسافر إلى سوريا» «هل أنت ضابط بحرية يا سيدي؟» «لا» «إذاً أنت ماذا ومن تكون يا سيدي؟» «أنا مجرد انسان» «ماذا؟» «إنسان» «فهمت، أنت سائح إذاً».
لاحظت هناك أن كلمة «مسافر» نفسها لم تعد تستخدم.. والسبب واضح لأن في الكلمة قدرا كبيرا من المدح. فالمسافر في الأزمان القديمة كان الشخص الذي يسافر من مكان إلى آخر، وكله ظمأ إلى المعرفة.. أيامها كان أهل البلاد يستقبلونه مفتوحي الأذرع، فخورين بإطلاعه على ما يشكل أصالتهم وطرافتهم. أما في أوروبا، فإن العلاقات القائمة على مثل هذا النوع من التعارف المتبادل، لم تعد قائمة.
ولكن في أوروبا لم يعد «السائح» يشكل أية ظاهرة معينة: صار جزءا من الصورة العامة. وهو في كل تسع حالات من عشر، بات شخصا مفلسا لا مال لديه ينفقه إضافة إلى ما كان دفعه أصلا مقابل الجولة السياحية الجماعية المرتبة سلفا. أما هنا فإنه يبقى خطأ من أخطاء الطبيعة. فإذا ما كنت آتيا من لندن لتجد نفسك في سوريا لإتمام بعض الصفقات والعمال، معنى هذا أنك غني. وإذا قطعت كل هذه المسافة لكيلا تفعل شيئا، معناه أنك غني جدا.
عند هذا لن يهتم أحد اذا ما كنت أحببت المكان أو لم تحبه. اذا كان يضجرك أو لا. كما أن احدا لن يفكر بأن يسألك لماذا أحببته وكيف يضجرك. فالسائح هو سائح، كما ان الطير طير... انه طفيلي لا أكثر... انه مثل بقرة تربى من اجل در الحليب، أو شجرة تعامل برفق لكي يستخلص منها المطاط.
عند مدخل منطقة الآثار في القلعة، استغرقت، رجلاً عجوزاً مصاباً بالشلل عشر دقائق قبل ان يعطينا بطاقات الدخول. وبعد ذلك أحسسنا بأننا أحرار، ودخلنا عالم الأزمان القديمة. في بعلبك شعرنا ان هذه المدينة إنما هي التعبير الحي عن انتصار الصخر والحجر. وأحسسنا كما لو ان نيويورك، بالمقارنة، لا يمكن ان تكون أكثر من وكر للنمل. للحجارة هنا لون الدراق مطعمة بشيء من الاحمرار. ولنسيج الحجارة لمسة تذكر بقشر الخوخ.
ومن الأفضل مشاهدة هذا كله عند الفجر، اللحظة التي يهتز فيها ذهب الدراق مع زرقة السماء اهتزازا له الكثافة نفسها. وحين تشعر كما لو ان الأعمدة امتلأت فجأة بالحياة تغمرها الشمس على خلفية شديدة العمق ليلكية الطابع. هنا ارفعوا دائما بصركم نحو هذا الديوان الحجري، نحو هذه الأعمدة الطويلة، نحو الأسقف المحطمة والكرانيش التي يكاد حجم الواحد منها يساوي حجم منزل بأكمله.
ارفعوا ابصاركم في اختصار نحو كل ما يحلق على خلفية من الزراق. واتركوا نظراتكم تنزلق على طول الجبل. وفي اللحظة نفسها اشربوا الهواء عميقا. اقول اشربوا ولا تتنفسوا. والمسوا الحجر وعزوبته بأكفكم. ثم قولوا وداعا للغرب... اذا كان الغرب ملكا لكم. وفي تلك اللحظة، وجهوا انظاركم نحو الشرق يا سادتي السائحون.
وهذا هو بالتحديد ما فعلناه نحن حين «أغلقت الآثار أبوابها». اذ هبط الليل وراح رجال ونساء يتنزهون او يجلسون كل فئة على حدة، وسط برية مليئة بالعشب على ضفة ساقية. كانت النجوم قد بدأت تعتلي صحن السماء، فيما بدت لنا سفوح التلال وكأنها تنزلق بسرعة نحو ظلام شديد العتمة. وهنا شعرت بسلام ودعة الإسلام الحقيقيين.
وانا اذا كنت أركز على هذه التجربة التي قد تبدو هنا شديدة العادية، فما هذا إلا لأن هذا السلام وهذه الدعة لم يعودا مقبولين في مصر او في تركيا اليوم. فيما يبدو الاسلام في الهند هنديا لا اكثر. والسبب بسيط هنا: ان ما من انسان وما من مؤسسة يمكنهما ان يجابها هذا الديكور المهيمن من دون ان يغيرا هويتهما جذريا(...).
