تزخر متاحف العالم بعشرات الآلاف من القطع الفنية التي أنتجها الصناع والحرفيون في أرجاء دار الإسلام منذ القرون الأولى للهجرة وحتى القرن قبل الماضي، هذه القطع تعامل معاملة الدارسين والباحثين في مجالات الآثار والفنون وتاريخ الفن أيضا.
يحدث ذلك على الرغم من ان الفنانين المسلمين لم ينتجوا هذه القطع وغيرها الكثير، من منتجات الفنون التطبيقية لتقتنى بقصد الزينة، وإنما بغرض الاستخدام المنزلي أو الشخصي، إنها بالأحرى أشياء ممتهنة تستخدم كقطع من أثاث أو كجزء من مواد البناء أو تقتنى كأدوات للمائدة أو كبسط تفرش على الأرض أو كأقمشة يتزيا بها الناس.
ومن نوافل القول أن نذكر أنفسنا بأن النزعة العملية المنفعية كانت هي الدافع الأصلي لإنتاج روائع الفنون التطبيقية الإسلامية وقليلة هي الأمثلة التي نفذت بغرض الزينة المنزلية، وحتى تلك الأخيرة لا نسمع عنها الا في كتابات المؤرخين المسلمين فقد اقتناها الخلفاء والسلاطين لإبهار زوارهم ولو وصلنا شيء مما وصفوه لعد في عجائب الدنيا، كحدائق من زمرد بها أشجار من الذهب المرصع بأنواع الأحجار الكريمة وأشكال الطيور والمصاغة من الفضة والذهب والجوهر.. الخ.
ولكن عناية الحضارة الإسلامية بإتقان العمل، كقيمة دينية واجتماعية، والحرص على إكساب المنتجات مسحة من الجمال في إطار التنافس بين الصناع لتلبية احتياجات المواطنين وإرضاء أذواقهم، كانت بمثابة أكثر العوامل حيوية وأبعدها تأثيرا في إسباغ الطابع الفني حتى على منتجات الفخار زهيدة الثمن والتي سرعان ما تتحطم وتستبدل بغيرها.
وعلى الرغم من استمرار الحرفيين في أرجاء العالم الإسلامي في الحفاظ على التقنيات والطرز الزخرفية التي عرفها أسلافهم وتقديمهم لمنتجات يحرص الزوار والسائحون على اقتنائها بأغلى الأثمان، إلا أن «زامر الحي لا يطرب»، فهذه المنتجات وأشباهها مما توقف انتاجه، لا تلقى رواجا محليا في أوطان الصناع إما لارتفاع أثمانها أو لنجاح المنتجات الآلية النمطية في الهيمنة على الذوق العام.
لقد خلقت المواد الإعلامية، كالأفلام والمسلسلات التليفزيونية، وبرامج الدعاية التجارية بما في ذلك كتالوجات تزيين المنازل والأثاثات، اتجاهات استهلاكية لم تستطع المنتجات الإسلامية التقليدية ان تقاومها، ويمكن الزعم بأن عدم حيازتها للوسائل المادية والإمكانات المالية والفنية التي تجعل منها «منتجات سلعية» تنتج بأعداد لانهائية مما يخفض من أسعارها كان وراء تراجع التحف التطبيقية الإسلامية،
خاصة وأنها لم تعتمد مطلقا على البدائل الصناعية للمواد الطبيعية والتي قهرت مواد كالأخشاب والمعادن أيضاً.والحقيقة أن الفراغ الذي تركته المنتجات التطبيقية التقليدية بعد خضوعها للاعتبارات المتحفية السياحية قد ملأته وبسهولة كبيرة السلع التي تنتجها الدول الآسيوية الناهضة، خاصة مع تدني القدرات الصناعية للدول العربية والإسلامية.
وإذا كانت هذه المنتجات المستوردة قد حرفت الذوق العام وأفقدت التذوق الفني أصالته الثقافية فإنها وبالقدر نفسه قد نشرت البطالة بين صفوف المواطنين في العديد من الدول العربية والإسلامية ولعل ذلك يكون دافعا للربط بين الأهداف الثقافية والحضارية من خطط إحياء الفنون الإسلامية التطبيقية وبين المستهدفات الاقتصادية لهذه الخطط، فالأمر، كما كان في الماضي له جوانبه النفعية والجمالية في الوقت ذاته.
والخطوة الأولى في مسيرة إحياء الفنون التطبيقية الإسلامية قد دشنت فعلياً في عدد من الأقطار العربية وعلى رأسها كل سوريا ومصر والمغرب وتونس، إذ أنشئت بها معاهد علمية لتدريب وتأهيل الحرفيين لمنع انقراض المهارات والتقاليد الحرفية القديمة، وإن كانت الطاقة الاستيعابية لهذه المعاهدة محدودة بأغراض خاصة،
لعل أولها توفير الكوادر الفنية اللازمة لتنشيط حركة السياحة في هذه البلدان. فخريجو هذه المعاهد يتوزعون بين الورش الخاصة التي تنتج العاديات الشرقية التي يقبل عليها السائحون فيما يبقى الآخرون للعمل في إصلاح وترميم الآثار والمباني التاريخية.
ولكن تبقى هذه الخطوة -على محدودية أثرها- بداية مناسبة ومنطقية، ولو جرى التوسع فيها مع ربط الخريجين بخطط إنتاجية طويلة الأمد، تتجاوز الأسواق المحلية إلى الأسواق الدولية فإن إحياء فنون الإسلام الزخرفية يكون قد سلك طريقا واسعا للنجاح.
ويمكن إجمال المبادئ الرئيسية لخطط إحياء الفنون الإسلامية في عدد من المحددات التي ينبغي الاسترشاد بها حتى لا تتحول إلى مجرد جهود ريادية محدودة الفعالية. فمن ناحية يجب أن ترتكز جهود الإحياء على الاستغلال الأمثل للموارد البيئية الطبيعية دون إضرار بالبيئة وشروط السلامة الصحية والأمنية. إن ذلك يضمن على الدوام كلفة مادية أقل وقدرة أعلى على الاستمرار.
ومن ناحية أخرى ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أن الاعتماد على العمل اليدوي وحده لن يكون مجدياً، ولكن اللجوء إلى المزج بين عمل الآلة والمهارات اليدوية والاستعانة بالإمكانات البسيطة في بعض مراحل الإنتاج التجهيزية سيكون مناسبا للحصول على منتجات سلعية قابلة للتداول.
وتعطي تجربة دول شرق آسيا في تقسيم العمل وتنميط مكونات السلع، وربط الورش الصغيرة والعمل الأسرى بعمليات الإنتاج الكبير، مثالا نموذجيا يمكن الاحتذاء به في هذا المجال. إن هذا المزيج الذي وصف بحق «بالميكنة اليدوية» وإن كان يتسم بقدر كبير من النمطية التجهيزية التي تتنافى مع تفرد المنتجات اليدوية الا انه سيضمن جودة عالية ومعايير موحدة لها ولن يقف حجر عثرة في طريق إبراز الفروقات الفردية والمهارات المختلفة والأذواق والأشكال المتنوعة لمثل هذه المنتجات.
أما المحدد الثالث لجهود إحياء الفنون الإسلامية فإنه ولا شك يتضمن جهداً علميا مكثفاً للخروج بقواعد عامة يسهل تلقينها للقوى البشرية المستهدفة، وتشمل هذه القواعد الخطط الزخرفية التقليدية والأسس الفلسفية والبصرية والهندسية التي اعتمد عليها. وكذلك السمات الرئيسية المميزة للمنتجات التطبيقية القديمة وفقا للمراحل الزمنية والانتماءات الإقليمية، فضلاً عن الألوان وكيفية استنباطها بالدرجات المعروفة منها ثم الزخارف بمختلف أنواعها.
إننا هنا إزاء مرحلة مختلفة عن التنميط اليدوي الذي يتناسب وأغراض تسويق العاديات والذي يعتمد على نماذج محدودة يقوم الحرفيون بتنفيذها بطريقة آلية دون تدخل إبداعي، ففي الاحياء ومحاولة تجديد الفن الإسلامي الزخرفي، لن يكون الهدف هو إعادة إنتاج حرفي للنماذج القديمة، ليس فقط لأن هذه النماذج يصعب أن تقع تحت طائلة الحصر والتوصيف،
ولكن قبل ذلك وبعده لأن جوهر خطط الإحياء هو ترك المجال واسعا للإبداع الفردي، ولكن في إطار الفهم العميق والإدراك الكامل لروح الفنون الزخرفية الإسلامية. وليس من المبالغة في شيء أن توصف عملية الإحياء برمتها بأنها محاولة لاستعادة ما انقطع من تطور ثقافي أجبرت ظروف تاريخية شتى مجتمعاتنا على الانقطاع عنه وعن تراثها الثقافي والفني.
ومن أجل ضمان الاستمرار المادي لجهود إعادة الحياة للفنون الإسلامية، واتساقا مع فلسفتها الأصيلة فإنه من المهم ان ترتبط المنتجات بمستلزمات الاستخدام المنزلي اليومي التي لا يستغنى عنها أواسط الناس، كقطع الأثاث ووحدات الإضاءة وأواني وأدوات الطعام والمائدة، والملابس وزينة الجدران وكسوات الأرضيات وفرشها أيضاً.
فالأصل في الفنون التطبيقية الإسلامية هو أنها أنتجت بثوب من الجمال الفني لأغراض نفعية محضة، وهو ما منحها قدرة أكبر على الاستمرار والتطور ومرونة لا حدود لها للتعاطي مع التقلبات السعرية والقوى الشرائية المختلفة في الأسواق.
ولو وضع الحرفيون نصب أعينهم، أغراض الزينة وتلبية متطلبات الاقتناء الفني على طريقة الأوروبيين في اقتناء اللوحات الزيتية والصور الجدارية والتماثيل وتعليق السجاجيد على الحوائط، لما كانت هناك هذه الوفرة من المنتجات التطبيقية ولتقلصت الخطوط الزخرفية وانحصرت في أعداد تتماشى مع القلة المفترضة في أعداد الورش والحرفيين العاملين بها.
إن هذا المنحى يعني ببساطة توجيه الإنتاج إلى الأسواق المحلية لإنعاشها ولترقية الذوق الفني بين مختلف القوى الاجتماعية وإعادتها إلى هويتها الثقافية المميزة، ولا جدال في أن المساندة الإعلامية تبقى عاملا حاسماً في إنجاح أي جهد لإحياء الفنون الإسلامية،
خاصة إذا ما تجنبت الإرشادات المباشرة، ولجأت إلى تقديم الصور شديدة الإيحاء عبر المواد الدرامية التي تؤثر في المشاهدين ليس فقط بما تبثه من قيم وسلوكيات في أحداثها بل وبما تتضمنه من ألوان وملابس وأدوات تعرض على الناظرين أجزاء من صور تسهل محاكاتها.
ـ أستاذ الآثار الإسلامية ـ جامعة القاهرة
