كان السياسي والكاتب المصري محمد حسين هيكل صاحب «زينب» أول رواية مصرية و«مذكرات في السياسة المصرية»، في العشرين من عمره حين سافر للمرة الأولى إلى باريس ليواصل دراسة الحقوق. ولقد كان من حظه أنه وصل في اليوم الذي كان فيه الفرنسيون والباريسيون خاصة، يحتفلون بالذكرى السنوية للثورة الفرنسية، في احتفالات صاخبة يسميها هيكل هنا «عيد الحرية».

ولقد أتاح له وجوده في باريس يومذاك أن يسجل في مذكراته المعنوية «شرق وغرب» بعض الخواطر الأساسية حول الثورة والحرية والشعب حين يحتفل بمناسباته الغالية.يبدأ محمد حسين هيكل حديثه عن أول يوم له في باريس بالتأكيد على أن الحياة حافلة بمفاجآت كثيرة أثرها في حياة الإنسان ما عاش. وكان ذلك شأن الليلة الأولى التي قضاها في باريس عندما افتتح تلك الزيارة الأولى. وكان إذ ذاك شاباً لم يتم الحادية والعشرين من عمره بعد.

قبل ذلك كان قد حاز على إجازة ليسانس الحقوق من مصر وتوجه إلى العاصمة الفرنسية لدراسة الدكتوراه. وكانت الباخرة قد أقلته من الإسكندرية إلى مرسيليا في السابع من (يوليو) 1909، وفي رفقته زميلان متوجهان إلى فرنسا للغرض نفسه وآخرون كانوا قد عرفوا أوروبا إذ سافروا إليها مرات قبل ذلك.

رست الباخرة في مرسيليا صباح 12 يوليو وبعد أن قضى الرفاق النهار في ذلك المرفأ الفرنسي أقلهم قطار المساء إلى باريس فبلغوها صباح 12 تموز(يوليو) ونزلوا في باريس في فندق يجاور كنيسة «المادلين» «لا عهد لأمثالي الطلبة النزول فيه» كما يقول هيكل مضيفاً « ولكني نزلته مع أصحابي لأن عظيماً من أصدقاء والدي كان يقيم فيه. فآثر أصحابي النزول فيه ريثما نجد المسكن الذي يليق بطالب جاء يدرس».

وفي أثناء هذا زار بعض المصريين المقيمين في باريس منذ سنتين ذلك «العظيم» الذي كان هيكل يتمتع بعطفه، فأوصاهم بأن يصطحبوا الوافدين الجدد في المساء لكي يشاهدوا باريس ليلة 14 يوليو وكانت تلك هي المفاجأة التي استمرت 24 ساعة.

ويمهد هيكل للحديث عنها قائلاً «كانت مصر آنذاك ترزح تحت نير الاحتلال البريطاني، وكانت فيها بقايا مختلفة من آثار الحكم العثماني وكانت هذه الصورة للحياة المصرية لا تعجبني يومئذٍ من الناحية النظرية، فكنت أقاومها وما أزال طالباً بالحقوق، ولكنها كانت صورة الحياة الواقعية التي عرفتها وألفتها ولم أعرف غيرها ولم آلفه».

* الأجسام والعقول

إذاً حين حل مساء ذلك اليوم الباريسي الأول فوجئ صاحبنا بصورة للحياة تختلف كلياً عن الصورة التي ألفها... «بل تثور عليها، حسب تعبيره، بل تلقي بها من النوافذ إلى الجحيم لتتبدى أمامي صورة أخرى تبهر عيني وتنذرني وكأنني انتقلت إلى عالم آخر».

خرج الشاب هيكل في المساء مع أصحابه الذين يقيمون في باريس ليشهد احتفالات عيد الثورة الفرنسية (الرابع عشر من تموز\يوليو). وكان النهار قد أعدهم بعض الشيء ليتوقعوا جديداً يرونه «فقد رأينا في الصباح عند قوس النصر بعض الفرق العائدة من الاستعراض الذي أقيم لمناسبة عيد الحرية».

بيد أن هذا المشهد لم يعدهم إلا بعض الشيء فقط، خاصة وأنهم في مصر لم يكونوا معتادين على أن يسمعوا عن «عيد الحرية» و«لأنني لم أكن أتصور أن يكون استعراض الجيوش من مظاهر الحرية وأن أمكن أن يكون من مظاهر الاحتفال بالنصر». وهكذا، إذ خرج صاحبنا عند المساء كانت المفاجأة الكبرى في انتظاره.. «المفاجأة التي تركت في حياتي أثراً لا أنساه (...)

كانت باريس تسمى في ذلك الحين مدينة النور « لكنها لم تكن أبداً تعج بالأنوار عجيجها بها اليوم. أما في ذلك المساء وتلك الليلة، فقد كانت أنوارها تصعد إلى السماء على نحو بهر خيالي». وزاد خيال الشاب بهراً أن أهل باريس هرعوا إلى شوارعها، جميعاً، يحتفلون بعيدهم ويشهدون هذه الأنوار الساطعة المنتشرة في المكان» ويستمعون إلى ألحان الموسيقى التي تعزف في كل مكان.

وسار أصحاب هيكل وسار معهم قاصدين ميدان «الباستيل» حيث يقوم تمثال الحرية سقطت عليه الأنوار من كل جانب وارتفعت منه مصعدة إلى السماء. وهم حرصوا على أن يشاهدوا التمثال عن قرب «ولكن هيهات... أن الجموع الزاخرة المحيطة به، تجعل من أعسر العسير عليك أن تتقدم إلى ناحيته.

وهذه الجموع مختلطة من رجال ونساء، من شبان وشيب وصبية وقد أخذت نشوة السرور بمجامع قلوبهم، فهم يحبون بنظراتهم وبابتساماتهم، هذا النصب الذي يقوم حيث كان يقوم السجن الذي كبل فيه الاستبداد وأجسام الأحرار وإن لم يستطع أن يكبل عقولهم وقلوبهم.

وهو السجن الذي حطمه الفرنسيون في ثورتهم الكبرى وأخرجوا منه الأحرار ليستمتع الجميع بالإخاء والحرية والمساواة فيقول ما يشاء ويفعل ما يشاء، يستمتع بحريته ما يشاء، على شريطة ألا يعتدي على حرية غيره فيستمتع الجميع بأكبر نعمة عرفتها الإنسانية: نعمة الحرية».

* ولكن للحرية ثمنها

وبقي الرفاق المصريون إلى ما بعد منتصف الليل يجوبون أرجاء باريس مفاجئين حيثما ذهبوا بأنوار الحرية ومظاهرها. ثم عاد هيكل إلى الفندق لكي يستعيد بالنوم راحته. وعند الصباح التالي عاد للخروج ولكن هذه المرة إلى الحي اللاتيني مع رفاقه الذين يعرفون باريس. فما هذا الذي يراه عند الصباح؟

«ان الناس قد بلغ فيهم الجذل مبلغاً لو أن شيئاً مثله حدث في مصر لنادي المنادون بالويل والبثور وعظائم الأمور. إنهم يرقصون في كل مكان، ويغنون في كل مكان. ويقبل بعضهم بعضاً في كل مكان. وذلك لا ريب هو احتفالهم بعيد الحرية. فإني لم أشهد شيئاً من قبله أمس في مرسيليا.وليس من الطبيعي أن يكون ذلك شأنهم في حياتهم اليومية. فحاجات الناس في حياتهم اليومية تقديسهم العمل. والعمل يمسكهم عن الاندفاع في مثل هذه الغبطة الجارفة التي أراها أمام عيني».

والحقيقة أن هذا المشهد دفع هيكل كل لحظة إلى التفاضل والمقارنة، ذلك أن ما رآه اليوم لم يكن مما يدور في خاطره أو يتصور خياله. فهو شهد جموع الناس الحاشدة في مصر لمناسبات مختلفة كلها وأكثرها متصل بالدين كحفلة الكسوة، أو رؤية رمضان، أو وفاء النيل.. لكني لم أرَ مثل هذا الجذل الذي يتجاوز الحدود كلها، مما رأيت في باريس يوم 14 يوليو، وما كان بالنسبة إلى مفاجأة لم يسبق لي في الحياة مفاجأة مثلها».

لكن الغريب ، هو أن محمد حسين هيكل أصبح يوم 15 يوليو، أي عند صبيحة اليوم التالي فإذا «باريس تعود إلى نشاطها وإلى وقارها وإذا أنوار العيد تنطفئ ليعود الناس إلى عملهم اليوم وكدحهم لحاجات الحياة». ولقد دفعه هذا إلى أن يبدي يقينه أن «أبناء فرنسا ما كانوا ليحتفلوا بعيد الحرية كل هذا الاحتفال لولا أنهم يشعرون بالفعل بقيمة هذه الحرية بعد أن أكسبها لهم إباؤهم وقد بذلوا في سبيلها أحسم التضحيات، فعذب منهم من عذب أو شرد منهم من شرد،وقتل منهم من قتل، ولولا أنهم يمارسون هذه الحرية في حياتهم بكل معانيها».