رواية تجمع بين تهكم الأدب السافر ونزق الصبا وحس المغامرة وتحليق الخيال. ميزتها الفريدة أنه يمكن قراءتها بوصفها نقداً لمجتمع أميركا الذي كان يعيش وقتها ـ أربعينات القرن التاسع عشر ـ نسقا اقرب إلى حياة المغامرين أو المستوطنين، فيما يمكن قراءتها أيضاً على أنها ألف ليلة وليلة على الطريقة الأميركية ـ بالأدق ألف نهار ونهار.
إذ تدور أحداثها حول مغامرات بطلها الصبي الذي خلع اسمه على عنوان الرواية وقد شهد هذه المغامرات حوض نهر المسيسبي في أرياف المناطق الحارة والمشبعة بالرطوبة من جنوب الولايات المتحدة ولعلها تعكس أيضاً جانباً من السيرة الذاتية لمؤلفها المولود في تلك الأصقاع.
بيد أن قيمة الرواية تزداد عمقاً بقدر ما أضافته إلى الفصيل الإبداعي من الأدب الموجه إلى فئة من البشر كثيرا ما يحار بشأنها الكاتبون والمبدعون- تلك هي فئة «الأحداث» من الفتيان والفتيات ـ الفئة التي يعيش أفرادها آخر مراحل الطفولة «وتكاد أيديهم تطرق بإلحاح لا يخفي أبواب المراهقة وإرهاصات الشباب المبدع.
كاتب الرواية مولود باسم صمويل لانغهورث كليمنس وقد عاش بين عامي 1835 و 1910 وقد احتفظت حكومات واشنطون بمسقط رأسه في هانيبال بولاية ميسوري بوصفة موقعا تاريخياً ومزاراً سياحياً لإفادة الذين قرأوا الإبداعات الأدبية لذلك الكاتب الذي يعد من الآباء المؤسسين للأدب الأميركي في حال انفصاله ـ أو فلنقل فطامه عن الإبداعات ـ الأم في أدب انجلترا الناطق بالانجليزية.
اشتغل مارك توين قبطانا لسفينة نهرية، مازالت مثيلاتها تمخر عباب المسيسبي حتى الآن، وحين تفرغ لكتابة الروايات اتسم أسلوبه بالروح الساخرة، الفكاهية في بعض الأحيان، ورغم ما تعكسه إبداعاته من خفة في الروح وطلاوة في التعامل مع الحياة فقد أصابته أنواء من المحن حيث تبددت ثروته وفقد أفراد أسرته فكان أن انعكس هذا كله على أواخر إبداعاته الأدبية التي تحولت فيها روح السخرية إلى نظرة تشاؤمية وموقف حزين قاتم إزاء الحياة والأحياء.
وقد اشتهرت بين روائع أعماله الفكاهية، إلى جانب رواية المغامرات التي نصاحبها في هذه السطور، أعمال مهمة أخرى مثل «مغامرات هكلبري رفن» و«الأمير والصعلوك» فضلا عن كتابه الفريد بعنوان «الأبرياء في الخارج» عن رحلة الكاتب إلى الاراضي المقدسة ( في الشرق العربي) مما وضع مارك توين ولا يزال بين أعظم شخصيات الأدب الأميركي الحديث.
