تتحدد إمكانيات أي مجتمع بمجموع قدراته وموارده الطبيعية والبشرية القادرة على تحقيق النمو والتطوير.والنظرة المتدنية للمرأة أو تهميشها ما هو إلا بتر لقدرات المجتمع وتقليص إمكاناته التي يواجه بها التحدي المفروض عليه في الألفية الثالثة لكي يضع لنفسه مكانا كريما على خريطة العالم.

وهذا لن يكون إلا بتصحيح التفسيرات الدينية الخاطئة الخاصة بوضع المرأة، والتي تتناقض مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي كرمت المرأة أعظم تكريم.حول هذا الموضوع تقدم لنا الدكتورة زينب رضوان أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة كتابها الجديد « التفسيرات الخاطئة للدين كأحد معوقات التنمية أمام المرأة».

* نفوس البشر

في البداية توضح المؤلفة أن الشرائع السماوية لم تكن هى أول عهد البشرية بالأديان، بل سبقتها إلى ذلك عديد من الديانات الوثنية التي تعمقت أفكارها في نفوس البشر خلال تلك القرون السحيقة السابقة على الأديان السماوية، مما أدى إلى تكوين شعور جماعي وأعراف لها من القوة ما استطاعت به أن تترك أثرا من تراثها الفكري على الوافد إليها من الشرائع السماوية،

وقد تمثل هذا الأثر فيما خرج علينا من تفسيرات وشروح قدمها الفقهاء والمفسرون خلال فترات التاريخ المتعاقبة، وقد تم هذا بطريقة تدريجية ولا شعورية بحيث أصبحت جزءا من بنية الدين ولم يعد سهلا التفريق بين الدين الحق وبين ما أدمج فيه من رواسب وثنية.

ولقد دخل المسلمون الإسلام وهذه الرواسب موجودة، وساعدت عليها سرعة انتشار الإسلام وإقبال الفارسيين واليونانيين والهنود والترك على الإيمان به، ولدى هؤلاء رواسب عديدة، أدت إلى تحويل الآراء الفقهية والنظرة الدينية عما أراده الإسلام.

فقد تم أسلمة المجتمع بسرعة.. حيث لم تزد سنوات الدعوة على يد الرسول صلي الله عليه وسلم على 23 سنة، فتحت فيها الجزيرة العربية، ثم خلال ثمانين عاما كان الإسلام قد بلغ حدود أوروبا ووصل المسلمون إلى مشارف القسطنطينية وفتحوا فارس والهند والأفغان ومصر وشمال إفريقيا.

* أشد الحاجة

وترى المؤلفة أننا في أشد الحاجة إلى فقه جديد يمثل الإسلام حقا، مستندا إلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم ويتطابق مع عمل وقول الرسول عليه الصلاة والسلام، مستهدفا مقاصد الشريعة الغراء التي جاءت لخير الإنسان والمجتمع. وعلينا أن نعلم أن الفقه هو منهج علمي يسلكه المجتهدون ليستنبطوا الأحكام ومادام الناس متفاوتين في اجتهادهم تبعا لاختلاف طاقاتهم وثقافاتهم والبيئة التي تأثروا بها، فإن ما يستنبطونه من الأحكام يكون مختلفا تبعا لذلك.

والمجتهد مأجور، إن أصاب أو أخطأ، ومن ثم فإن مخالفة أحكام الفقه مخالفة لمنهج علمي من مناهج المجتهدين، والارتباط بمسائل الفقه هو ارتباط مناقشة ومجادلة واستنباط، وعلى ذلك فإن الفتاوى إذا لم تعتمد على نص من القرآن والسنة تكون أقيستها في كثير من الأحوال مستمدة من حكم العرف السائد في ذلك الزمان وأن الاجتهاد في هذه الحالة هو رأي والرأي يخطئ ويصيب، ورحم الله أبا حنيفة إذ أجاب أحد تلاميذه عندما سألوه: هذا الذي تفتي به هو الحق الذي لا شك فيه؟ فقال: (والله لا أدرى فقد يكون الباطل الذي لا شك فيه).

* غاية الحزن

وتستعرض المؤلفة نماذج لبعض الأحاديث التي قيلت عن المرأة واشتهرت على ألسنة الناس من دون أن يكون لها أصل في الحديث النبوي الصحيح، مثل: «شاوروهن وخالفوهن» و«خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة»، و«هلكت الرجال حين أطاعت النساء»، وإذا راجعنا الواقع نجد عمر رضي الله عنه كان يقدم الشفاء بنت عبدالله في الرأي ويرضاها، وأنه استشار النساء في كم تصبر المرأة على فراق زوجها، وأنه ترك كبار الصحابة واقفين وأخذ يستمع إلى حديث خولة بنت ثعلبة.

أيضا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد استشار السيدة أم سلمة في «صلح الحديبية»، وعمل بمشورتها ووجد فيها البركة كلها، كذلك استشار السيدة خديجة رضي الله عنها حين جاءه الوحي أول مرة، وأشارت عليه بالذهاب إلى ورقة بن نوفل، كذلك مشوراتها المتتابعة الصادقة المباركة لرسول الله صلي الله عليه وسلم حتى توفيت فاستشعر لفقدها غاية الحزن.

أيضا من أمثلة الأحاديث التي تتناقض تمام التناقض مع ما قرره القرآن للمرأة من مكانة رفيعة لم تصل إليها حتى الآن بتمامة المرأة في أكثر الدول الديمقراطية تقدما: «اتقوا شرار النساء وكونوا مع خيارهن على حذر»، و«أعدى عدوك زوجتك التي تضاجعك»، ويتناقض هذا تناقضا كاملا مع وصايا الرسول صلي الله عليه وسلم المتكررة بالزوجات وإحسان عشرتهن.

ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك: أولهم المرأة، وكيف يتسق هذا الحديث مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خياركم خيركم لنسائه»، «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وأيضا «ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم».

ومن أعاجيب ما جاء في الأحاديث المشتهرة عن النساء على ألسنة الناس: «النساء مصابيح البيوت ولكن لا تعلموهن»، فكيف يتصور أحد أن يأمر النبي صلي الله عليه وسلم بعدم تعليم المرأة وقد أنزلت عليه نصوص قرآنية عديدة ترفع شأن العلم والتعليم في الإنسان عامة لا فرق فيها بين رجل وامرأة، والرسول صلي الله عليه وسلم هو القائل: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة».

* وجدان المجتمع

وفي النهاية تؤكد المؤلفة أن الزخم من التأويلات غير الصحيحة والأحاديث المشتهرة بين الناس والتي تتناقض وصحيح الدين، كان لها دورها المؤثر في تحديد مكانة المرأة في المجتمع والنظرة إليها، ومع طول العهد استقرت أمثال هذه الأقوال المشوهة في وجدان المجتمع الذي تصرف على أساسها، بل إن المرأة ذاتها استكانت إلى هذه الصورة وقبلت المكانة الأولى باعتبارها أمرا مسلما به لا يجوز الخروج عليه.

ومن ثم حرمت المرأة مما أعطاه لها الله سبحانه وتعالي، نصا وتلقينا، منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، وتهمش دورها وباتت مكانتها داخل المجتمع أدنى بكثير مما يجب أن تكون عليه، على الرغم من أن الإسلام رفع عن المرأة كافة صور المهانة والإزدراء وهبوط المنزلة. إن للثقافة دوراً رياديا مهما يعمل على تصحيح المفاهيم التي استقرت في وجدان الكثير، ويقدم ويعمل على خلق وعي صحيح قادر على تفهم دور المرأة في الشرع وفي الأسرة.

القاهرة ـ مصطفى علي محمد