تدور أحداث القصة ـ المغامرات قرب منتصف القرن التاسع عشر وهي الحقبة التي لم يكد فيها عمر أميركا كما عرفها العالم يتجاوز 70 عاماً قد تقل وقد تزيد، نفس الحقبة التي شهدت أميركا وهي حبلى بأحداث جسام كانت على وشك الوقوع خلال اقل من عقدين من عمر الزمن وأهمها كانت الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) بين الشمال والجنوب.
أما موقع أحداث الرواية فهو قرية صنعها خيال الروائي وأضفى عليها كل صفات مسقط رأسه في هانيبال بولاية ميسوري ثم خلع على القرية اسم سان بطرسبورغ. تدوم الأحداث نحواً من أربعة أشهر ويفتح ستارها على قرار حاسم أصدرته الخالة بولي بإنزال العقاب الصارم على بطلنا الذي ترعاه، توم سوير،
لأنه ارتكب جريمة السرقة من وعاء المربي في مطبخ العائلة الصغيرة، يهرب الفتى الصغير وتعاود الخالة اليمين الذي أقسمته فوعدت به شقيقتها العزيزة الراحلة بأن تنشئ ابنها توم على أساس من الأخلاق والأمانة والخشونة على أساس تطبيق المثل الأميركي الذائع الذي يقول:
* لا توفر العصا بل اردع الطفل
يعود «توم» متلصصاً تحت جنح الظلام كي يتسلل إلى مخدعه، يحاول رشوة الخادمة الزنجية حتى لا تشي به، لكن هيهات، تتكشف اللعبة وينزل به غضب الخالة العجوز، ولو من وراء قلبها الشفوق، وعلى سبيل التعويض يعد الفتى بحضور موعظة الكنيسة في صباح الأحد، أي انبساط شديد يراود الخالة إزاء هذه التقوى الإيمانية التي نزلت فجأة على «توم سوير» الشقي الصعلوك لكن الحقيقة ان لم يكن ثمة تقوى ولا فرط خشوع، الحقيقة انه كان يعَشق في زوار الكنيسة نظافة الملبس وأناقة السمت وهواية مشاغلة الفتيات .
لا عجب أن يحرص بطل حكايتنا على مزيد من استعراض مواهبه أمام الفتاة بيكي ثاتشر التي تصل في أزهى حللها مع والدها القاضي المحترم لحضور موعظة الأحد. ها هو توم سوير معجبا بنفسه يتهيأ لنيل جائزة الموعظة ـ يبدي استعداده للإجابة عن سؤال الكاهن:
قل لي يا فتى ما هو اسم الحواري الأول والحواري الثاني من أصحاب السيد المسيح؟ وما كان الفتى يعرف شيئاً عن الأمر. وكيف له أن يدرس أو يبحث وهو هائم على وجهه مغامراً في الغابات أو على شطآن المسيسبي الممتدة إلى ما لا نهاية، ولكن بمنطق المكابرة أو المغامرة ـ سيان يندفع توم إلى إجابة طائشة يقول فيها: «إنهما ـ يا مولانا ـ داوود و«جولياث». وبالطبع كانت إجابة خائبة بكل المقاييس.
مع ذلك فها هو طائر الحب ينشد عشا بين جوانح الصبي المغامر والمراهق، أو هكذا يخيل إليه. انه يلتقي سراً بحبيبة «القلب بيكي» وخلال اللقاء - وبحماقة من عثرات اللسان يلمح إلى انه مشغول أيضاً بفتاة أخرى هي إيمي لورنس، وطبعاً تغضب الآنسة «بيكي» وترفض أن يهديها هديته الغالية وكانت عبارة عن قطعة نحاس، وساعتها تسوّد الدنيا في عين توم سوير ويعتزم ترك المدرسة ويقرر أن يصبح من بعد، قرصانا.
حسب لزوميات «القرصنة» عمد الفتى إلى تشكيل عصابة من رفاق المدرسة السابقين وبدأ أفراد العصابة في الاختفاء عن الأنظار وسرقة بعض الطعام من هنا أو هناك، وعندما طال الاختفاء ظنت القرية أن الصبية القراصنة ـ حتى لا ننسى ـ قد حاق بهم مكروه ورحلوا عن دنيا الأحياء، يتسلل توم سوير ليلاً إلى بيت الخالة بولي ويسترق السمع إلى أحاديث القرية، عن الحزن الذي الم بأهلها بل والاستعدادات التي ستجرى في الكنيسة لإقامة شعائر جنائزية لوداع الصبية،
الراحلين إلى الأبد. عندها يفاجئهم الصبية القراصنة بالعودة ويشقون طريقهم بين شهود الكنيسة المجتمعين وسط الترانيم والتهاليل. وهكذا تستمر المغامرات الصبيانية، وتحاول الخالة الطيبة معالجة فتاها المشاغب فتعطيه دواء تقليديا من طب الأعشاب لعلة ينعش عقله ويعيد إليه الاتزان يشكرها الفتى على الدواء ولا يتورع عن إطعامه لدجاجات المنزل التي بدت أكثر انتعاشاً وبهجة وخفة ونشاطا. و لا يتورع بالمرة عن مصاحبة رفيق جديد اسمه «هك» الذي يفتتح صداقتهما بالإعلان عن مشروع حياته ومهنته في المستقبل قائلاً:
ـ بصراحة، لقد عزمت وتوكلت لكي أُصبح، لصا!
وهنا ينصحه توم سوير بدوره قائلاً:
ـ إذن لابد من أن تواصل تعليمك كي تكون لصا محترما يليق بالمهنة وتقاليدها. الم يأتك نبأ اللصوص في معظم أقطار الدنيا، أنهم يشكلون أعلى درجات النبالة والارستقراطية.
* الأفكار، الرموز، الدلالات
نحن أمام عمل يتهكم على كل شيء في مجتمع أميركا الاستيطاني، المجتمع الذي يؤوي فتانا المغامر في بيت خالته الدافئ الوثير، فيما يترك صديقه الجديد هك (هكلبري) شريدا بغير مأوى وفريسة للجوع والضياع لدرجة انه يعيش داخل، برميل، ويقرر كما رأينا، أن يصبح لصاً.
يحاول المؤلف تصوير التناقض بين انضباط الحياة في بيت الخالة وبين روح المغامرات ورغبة الانطلاق وتحدي القيود والضوابط التي يصدر عنها بطل الرواية «توم سوير» بل إن هذه الرغبة في الانطلاق تعبر عن نفسها أحياناً بالهروب من البيت والمدرسة والمجتمع بأسره، وأحياناً بالهرب من الواقع كله من خلال التحليق في دنيا الحلم والخيال، بل والكوابيس في بعض الأحيان مع هذا كله،
وبرغم المغامرات والحماقات وسلوكيات الطيش الرعناء فان القارئ يلمح خلف هذا كله روحا مشبعة بالمحبة وراغبة في دفء التواصل الإنساني بين فتية يحاولون أن يكونوا أصدقاء وفتى على أعتاب المراهقة يدق قلبه للمرأة الأولى إزاء فتاة من القرية، وكلها مشاعر إنسانية، لا تفرق بين صديق يعيش في بيت الخالة تحت سقف مأمون وصديق آخر يعيش طريداً من المجتمع داخل برميل مفرغ من الناحيتين.
* في ذاكرة الإنسانية
تعد رواية «توم سوير» أهم وأروع إبداعات الكاتب الأميركي الساخر «مارك توين» وقد عاشت الرواية في سجل الإبداع الإنساني في العصر الحديث أولاً لأنها توجهت ـ كما ألمحنا ـ إلى عقل ووجدان الأحداث من أبناء أي جيل من البشر،
وثانياً لان سطورها مفعمة بروح الذكرى المشوقة ـ النوستالجيا إلى الماضي البريء الذي عاشته أميركا التي كانت بلدا ريفيا أقرب إلى روح الطبيعة ومعايشتها قبل أن تعرف ويلات الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب كل هذا المزيج من البيئات والأحداث والشخصيات يقدمه الكاتب الموهوب بروح من الطلاوة الساخرة.
وثالثاً لان المؤلف ذاته عاش حياة تجمع بين طيش المغامرة وبين صدمة الافلاس المادي حين فقد كل شيء وتكاثرت عليه مطالب الدائنين، فما كان منه وهو في الهزيع الأخير من العمر ـ إلا أنه تحامل على أحزانه، واستجمع كل إرادته ومضى يلقي المحاضرات ويشهد المجامع الأدبية لقاء اجر معلوم إلى أن استطاع ـ كما يقول مترجمو سيرته ـ
أن يرد لكل دائن كل دولار كان في ذمته فكان بذلك النهج نموذجاً إنسانياً من حيث صلابة الإرادة وقوة الثقة بالنفس واستقامة الأمانة، وذلك هو نموذج جدير بأن يطرح على افهام ووجدان الفئة البشرية التي حرصت روايته على مخاطبتها، إنها الفئة التي أكملت سنوات الطفولة وبدأت تتطلع إلى مرحلة أخرى من النشأة والنضوج.
