تعد مرحلة بدايات القرن الماضي مرحلة مخاض ثقافي وفكري في منطقة الإمارات. إذ شهدت هذه المرحلة بروز المدارس شبه النظامية ووصول المدرسين من خارج حدود الإمارات لتدريس الطلاب من خلال تلك المدارس أو الحلقات الخاصة. كما شهدت بداية البعثات الدراسية إلى الخارج.
حيث غادرت مجموعة من أبناء الإمارات إلى مناطق مختلفة لتلقي المزيد من العلوم، بعد أن كان الأمر مقتصراً على سفر شخص أو اثنين. وقد مثل تواصل أبناء الإمارات مع المثقفين من أبناء الدول العربية الأخرى، سواء في بلدانهم أو في الهند التي كانت ملتقى للمثقفين العرب آنذاك. وتواصلهم مع الصحافة نقلة في تنمية الوعي لديهم وسعيهم لمحاكاة تلك التجارب.
في هذا العدد من «المنار» تختلف الكتابة فبعد أن كانت مجرد استفسارات على لسان ابن غباش وأحمد بن حسن النقبي نجد بروز أول مقالة صحافية تصدر عن كتّاب الإمارات.
فنجد مقالة للشيخ مبارك سيف الناخي من الشارقة، وهي بعنوان «نبي دعي في دبي» يتناول فيها مقدم أحد المتصوفة إلى دبي ووصفه له بالمشعوذ السيد جلال وهو شخص هندي يدعي الكرامات.
وجمع حوله مجموعة من المريدين، الذين اتبعوه، وتابعوه في أقواله وتصرفاته. حيث ذكر لهم أن بفضل كراماته بإمكانهم لمس النار دون أن يحترقوا. ويتحدث عما تم، وما آل إليه مصيره من الإبعاد.(رسالة لصاحب الإمضاء الفاضل جاءتنا في أواخر السنة الماضية فنسيت في الرسائل المهملة وهي):
قدم (دبي) في أوائل شهر ذي القعدة نبي جديد يدعى (السيد جلال) الهندي مرسل إلى هداية العجم الكوخردية خاصة ـ وإلى بعض أفراد من البستكية يدعوهم إلى الشرك والخرافات، ويسوقهم إلى (النار) فرادى وجماعات، (بدجل وتخاريق) ويوهم البسطاء وضعفاء العقول منهم أنها كرامات.
مال إليه الكثير، وهرع إلى داره الكبير والصغير. يتقدمون بين يديه بذلك الخشوع التام، كخشوعهم بين يدي الملك العلام. وبذلك الانحناء والانكسار، الذي لا يجوز فعله إلا لله، لا لنبي من الأنبياء، ولا لولي من الأولياء، فضلاً عن هذا المشعوذ الشيطاني وإن شئت فقل نبي (النار) وذلك بمناسبة (نار) أججها لهم يريهم من آياته العظام، وليبين لهم من خوارقه ومعجزاته.
ما يجعلهم يصدقون برسالته! وقال ادخلوا فيها باسم الشيطان، واطلبوا المدد مني في أثناء دخولكم إياها وإذن لا تحرقكم، بل تكون برداً وسلاماً عليكم! كما كانت برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام. فأطاعوا لأمره، وصدقوا لأول وهلة من قوله، وأخذوا يتهافتون على تلك (النار) المتقدة، ولسان حالهم يردد (مدد بوهاشم مدد) ظانين أنها لا تحرقهم ولا تلدغهم ولا تصليهم من حرها، وكأن هاشم نسي أو تناسى .
حيث احترقوا جميعاً وتشوهت أعضاؤهم بحروق خطيرة وصاروا عبرة لمن اعتبر، وآية لمن أراد أن يتذكر، وجلبوا على أنفسهم الخزي والعار، والفضيحة والشنار، وجلبوا على أنفسهم بهذه الفعلة الشنيعة، لفت أنظار الناس إليهم ورمقهم لهم بكل هزء وسخرية، فلا حيا الله (السيد جلال) الذي أحرق هؤلاء المساكين في هذا الفصل فصل الحر.
وأخيراً اتضح لعقلاء أهل (دبي) وشقيق أميرها المحبوب الشيخ حشر بن مكتوم من أعمال هذا المشعوذ الشركية وأفعاله الكفرية فأصدر أمره البات له بمبارحة بلاده وعند أول (باخرة) رست في ميناء (دبي) سافر عليها. ومن حسن حظ الكوخردية والبستكية أن (الباخرة) بقيت في الميناء إلى يومين من ركوبه كانوا يترددون فيهما عليها كل آونة وأخرى زرافات للسلام عليه وموادعته من جهة، ولأخذ إجازة على الجنة التي يدعو إليها من جهة أخرى!!
وإني لأشكر أهل (دبي) جميعاً وأخص بالذكر منهم الشيخين الهمامين الشيخ مانع بن راشد ولي عهد إمارة (دبي) والمحسن الكبير الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك على مقاومتهما للبدع والخرافات وتخليصهم لهؤلاء المساكين من هذه الورطة وإنقاذهم لهم من هذه (النار) التي كاد يقع في شركها ويهوي في هويها الكثير من أولئك المغفلين الذين هم أتباع كل ناعق فيالله العجب.
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يأتوا بشيء من الخوارق النارية وإنما أتوا بمعجزات تبهر العقول وبآيات تحير الألباب وهي من لدن العزيز الحكيم مما تدل على عظمة المولى وقدرته وتؤيد صدق رسالتهم التي بعثوا من أجلها.
وهي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وإخلاص العبادة له لا يشرك معه فيهما سواه، فأي أيمان يبقى عند اقتحام هذه (النار) وأي تقوى يتقيها الإنسان بعد عمله الشرك، وقد قال تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فليتنبه لهذه المخرقات السحرية المسلمون، وليأخذوا حذرهم من كل شيطان مريد.
فالواجب على العلماء أن يبذلوا النصيحة للعامة ويأخذوا بأيديهم إلى سبيل الحق والرجوع إلى الدين الصحيح وينقذوهم من مهاوي الضلال ومظان الشرك، وإلا فما يضلهم وهم سكوت عن مثل هذه الأعمال الشركية، والخزعبلات الخرافية، كأنهم لا يسمعون وكأن الأمر لا يعنيهم ولا يهمهم فلا حول ولا قوة إلا بالله.
(المنار) مادام عوام المسلمين الجهلاء يقبلون كلام الدجالين دعاة الخرافات والبدع، خصوم القرآن والسنن، غروراً بأنسابهم، وانخداعاً بألقابهم، وجهلاً بشعوذتهم وحيلهم فيما يسمونها كرامات، فهم لا يزالون عرضة للضلال، بمثل هذا الهندي الدجال. فطوبي لمحاربي هذا الضلال المبين .
وإن من آثار فساد العقول والدين، وموت العلم والعلماء الراسخين، أن يدعي ولاية أو النبوة مثل هذا المدعي الدجال، ويحاول التلبيس على المغرورين بدعوى الإسلام، بالإتيان بكرامة تدل على صحة ما قال، فيأتي بما يبوء به بالخزي والنكال، واللهو وأن تحرق النار من ادعى أنها لا تحرقهم كرامة له، فهو لم يأت بشيء يشبه خوارق العادات بشعوذة ولا سحر، فكيف ظلوا متعلقين بأذياله، ضالين بإضلاله
مبارك بن سيف الناخي