لأنه شهر الكرم يستعد المصريون لشهر رمضان بالولائم وتكثر دعوات الإفطار والسحور العائلية حتى أنه يتم الاتفاق عليها مسبقا قبل حلول شهر الصوم لحجز «الأدوار»، بحيث لا ينتهي رمضان إلا وقد تم تبادل الزيارات بين أفراد العائلة جميعا.ورغم الإرهاق الذي تتحمله ربة البيت فضلا عن الإثقال على ميزانية الأسرة إلا أن «فرحة اللمة» وصلة الرحم لا تقدر بثمن.

حالة الطوارئ التي تعلنها ربات البيوت في مصر مع قرب حلول الشهر الكريم تشيع حالة من البهجة بين الأهل والأصدقاء، ويجدها الجميع فرصة للالتقاء على مائدة الإفطار أو السحور وربما تكون هذه الولائم الفرصة الوحيدة على مدار العام التي يجتمع فيها شمل الأسرة وتشاهد فيه أفراد العائلة من غاب عنها أو من شغلته الظروف عن «صلة رحم».

ومع الأجواء الروحانية التي تسود في رمضان، متعانقة مع نفحات الإيمان «تصفو» النفوس ويشتد الحنين إلى «زمان» حيث كان أفراد العائلة يجتمعون على مائدة رمضان العامرة بكل الخيرات وهذا ما جعل فاطمة محمود ـ ربة منزل ـ تتحمل شقاء تعدد العزائم بل إنها على حد تعبيرها تعتبرها «متعة»، قائلة: اخواتي البنات كلهن عاملات لذا يتعذر التقاؤنا طوال العام وتكتفي بزيارات متباعدة قليلة تقتصر على تناول الشاي أو الفاكهة،

لكن في رمضان الأمر مختلف فأنا أصر على دعوة كل واحدة منهن مع أولادها حتى نقضى أطول وقت ممكن، كما أنها فرصة لصلة الرحم التي أصبحت «صعبة» هذه الأيام، واعتدت على أن أعد لكل منهن أصناف الأكل التي تحبها ونتناول الإفطار جميعا، ثم نحلي بالكنافة والقطايف ونصلي جماعة، ونقضى السهرة أمام التليفزيون ولا أتركهم يغادرون المنزل إلا بعد أن نقضى أطول وقت ممكن.

أما حنان محمد ـ مهندسة ـ فهي حديثة الزواج لذا فهي «معزومة» أغلب أيام رمضان لدى أقاربها وأقارب زوجها حسب العرف الجاري عند المصريين بدعوة الأزواج الجدد على الإفطار عند أفراد العائلة، وعن جدول الزيارات المتوقع لها خلال رمضان تقول حنان إنه أول رمضان يمر عليّ وأنا متزوجة لذا فقد أصرت والدتي على أن افطر عندها أنا وزوجي يومين كل أسبوع

وكذلك والدة زوجي يومين أي في بيت العائلة وقد تلقينا حتى الآن حوالي ثماني دعوات على الإفطار عند أقاربنا ومع اقتراب الشهر تتزايد هذه الدعوات حتى إنني أكاد أجزم بأننا لن نستطيع أن نفطر في بيتنا يوما واحدا في رمضان، رغم أنني كنت أتمنى أن أعزم أقاربي واختبر مهاراتي في الطهي

لكن والدتي لفتت نظري إلى أنه فرصة لي هذا العام أن ألبي دعوات الأقارب قبل أن انشغل مع العام المقبل بالأطفال، والحقيقة أن زوجي رحب بكل الدعوات لكي يتعرف على أقاربي وأنا كذلك، لأننا نحب الناس ولأنها فرصة للتواصل مع الأقارب في ظل انشغال الجميع بقية العام.

* أم الولائم

في بيوت مصرية كثيرة يتم الاستعداد لليلة القدر بشكل خاص جدا وهناك أسر اعتادت على إقامة الوليمة العائلية الكبرى في ليلة القدر يدعى إليها بعض الأصدقاء المقربين جدا والذين يقتربون من مرتبة الأهل، كما يفعل الحاج محمود رشاد وفي ذلك يقول: أنا وزوجتي نعيش بمفردنا بعد أن تزوج كل أبنائنا وأصبح لكل منهم بيت مستقل، ومنذ أن تزوج أصغر ابنائي قررت أن أدعوهم جميعا في ليلة القدر لتجتمع العائلة للإفطار والصلاة والسحور أيضا في هذه الليلة المباركة وهذا هو أجمل أيام السنة بالنسبة لي،

وتدمع عيناه فرحة وهو يتحدث قائلا: بناتي وزوجات أبنائي وأحفادي يجتمعون منذ الصباح الباكر، لمساعدة أمهم لأنها كبيرة ومسنة، ثم نجتمع على مائدة واحدة، وأكون قد دعوت ثلاثة من أصدقائي وهم مثل اخوتي ليتناولوا افطارهم معنا، ونحرص جميعا على أداء صلاة التراويح وختم القرآن بالمسجد ونعود بعد ذلك لاستكمال السهرة معا حتى السحور.

أشعر كأنني طفلة وأعود عشرات السنين إلى الوراء حتى أنني أصر على أن يشترى لي زوجي «فانوساً» مع الأولاد وفي ظل هذا الشعور تنسى إيمان السيد تعب العزومة ولا تتنازل عنها أبدا في رمضان.. تقول: لرمضان عندي طقوس خاصة والعزائم أهم هذه الطقوس على الإطلاق حتى انني أعد قائمة بمن سأدعوهم قبلها بيوم أو بيومين نتفق على الأصناف التي يفضلون تناولها والحلوى التي سأعدها في ذلك اليوم وغالبا ما تكون كنافة أو قطايف أو كلاهما،

أما الولائم التي أدعى إليها فهي الأيام التي ارتاح فيها وتعوضني عناء الأيام التي أكون أنا المضيفة فيها فإنني اختار بالمثل الأصناف التي أحبها أنا وأولادي وزوجي، وقد تعودت أنا وزوجتي على أن نخصص يوماً لدعوة أهله جميعا ويوما آخر لدعوة عائلتي

وتكون من أجمل ايام الشهر والحقيقة أن جميع أفراد العائلة يكونون متعاونين في هذا اليوم حتى أن بعضا من أخواتي وأخوات زوجي يقمن بإحضار بعض الأصناف التي يعدونها في بيوتهن لتخفيف العبء عنى وبعد الإفطار نتبادل الأحاديث ونصلي جماعة ونلهو مع الأطفال بالفوانيس وتكون فرصة جميلة لاسترجاع ذكريات زمان التي لا تنسى.

* جمعية رمضان

الطريف أن بعض السيدات المخضرمات يشتركن في جمعيات وهو نظام إدخار معروف في مصر لكي يدبرن المبالغ المطلوبة لرمضان وذلك في إطار الاستعداد لمواجهة النفقات المتزايدة لهذا الشهر والذي يحتاج لميزانية خاصة يتم تدبيرها طوال العام، وتلجأ معظم السيدات المخضرمات إلى إدخار جزء من المصروف الشهري للبيت حيث إن نفقات شهر رمضان قد تصل إلى ثلاثة أضعاف الشهر العادي، بسبب الولائم لكن كل ربة بيت تحسب حسابها حتى لا تفسد الموسم بأية أزمة مالية مفاجأة،

كما تقول كريمة سعيد التي اعتادت على الدخول في جمعية ترتب قبضها قبيل رمضان وتضيف: أهم شيء في رمضان أن أعزم أهلي وأهل زوجي دعوات محترمة، أعد فيها أفخر أنواع الأطعمة، بعضها أقوم بإعداده قبل رمضان واحفظه في «الديب فريزر» حتى لا استهلك كل اليوم في الطعام وأوفر وقتا لمتعة الحديث مع الأهل حيث تكون أيام رمضان الفرصة الوحيدة تقريبا للقاء العائلة على مدار العام.

القاهرة ـ محمد هشام