المؤلف أحمد بن محمد بن ابراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الاربلي الشافعي، ولد بإربل (مدينة أربيل في شمال العراق) سنة ثمان وستمئة وسمع بها «صحيح البخاري» من أبي محمد هبة الله بن مكرم الصوفي وأجاز له المؤيد الطوسي وعبدالمعز الهروي وزينب الشعرية، وروى عنه المزي والبرزالي وطبقتهم.
وكان فاضلاً بارعاً متقناً عارفاً بالمذهب حسن الفتاوى جيد القريحة بصيراً بالعربية علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة وافر الحرمة، فيه رئاسة كبيرة وله مصنفات ومجاميع أدبية لكنه شهر بهذا الكتاب الذي طبع عام 1858م في مصر، قدم الشام في شبيبته وقد تفقه في الموصل على كمال الدين بن يونس وأخذ بحلب عن القاضي بهاء الدين بن شداد وغيرهما.
دخل مصر وسكنها مدة وتأهل بها وناب بها في القضاء عن القاضي بدر الدين السنجاري ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر ثم أقيم معه في القضاء ثلاثة سنوات سنة أربع وستين وكان ذلك في جمادى الأولى جاء من مصر ثلاثة تقاليد لشمس الدين عبدالله بن محمد بن عطاء الحنفي ولزين الدين عبدالسلام الزواوي المالكي ولشمس الدين عبدالرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي فلم يقبل المالكي ووافق الحنفي والحنبلي، وكان الحنفي قبل نائباً للشافعي،
ثم إن الأمر من مصر ورد بإلزام المالكي وامتنع المالكي والحنبلي من أخذ الجامكية وقالا نحن في كفاية. قال شهاب الدين أبو شامة: ومن العجيب اجتماع ثلاثة من قضاة لقب كل واحد منهم شمس الدين في زمن واحد. واتفق أن الشافعي استناب نائباً لقبه شمس الدين فقال بعض الأدباء الظرفاء:
أهل دمشق استرابوا
من كثرة الحكام
إذ هم جميعا شموس
وحالهم في الظلام
وقال أيضاً:
بدمشق آية فقد
ظهرت للناس عاماً
كلما ازدادوا شموساً
زادت الدنيا ظلاماً
ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصائغ، ثم عزل ابن الصائغ بعد سبع سنين به، وقدم مصر فدخل دخولاً لم يدخل غيره مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغال والشهود وكان يوماً مشهوداً وجلس في منصب حكمه وتكلم الشعراء. ولما قدم ابن خلكان إلى دمشق ثانيا وكان لثامن سنة قال رشيد الدين الفارقي في ذلك:
أنت في الشام مثل يوسف في مصر
وعندي أن الكرام جناس
ولكل سبع شداد وبعد السبع
عام يغاث فيه الناس
وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدبا
غداة هجرته هجراً جميلاً
فلما زرته من أرض مصر
مددت عليه من كفيك نيلاً
وكان قد ولي القضاء في مصر وبعد رجوعه إلى الشام ولاه الملك الظاهر قضاء الشام وعزله بعد عشر سنين وولي التدريس في كثير من مدارس دمشق، وتوفي فيها سنة 681 هـ ودفن في سفح قاسيون ويتصل نسبه رحمه الله إلى البرامكة.
* نبذة عن الكتاب:
قال المؤلف في مقدمة كتابه مبيناً سبب تأليفه للكتاب ومنهجه في التأليف هذا مختصر في علم التاريخ دعاني إلى جمعه أني كنت مولعا بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ وفياتهم وموالدهم ومن جمع منهم كل عصر فوقع لي منه شيء حملني على الاستزادة وكثرة التتبع فعمدت إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن
وأخذت من أفواه الأئمة المتقنين له ما لم أجده في كتاب ولم أزل على ذلك حتى حصل عندي منه مسودات كثيرة في سنين عديدة وعلق على خاطري بعضه فصرت إذا احتجت إلى معاودة شيء منه لا أصل إليه إلا بعد التعب في استخراجه لكونه غير مرتب فاضطررت إلى ترتيبه فرأيته على حروف المعجم أيسر منه على السنين
فعدلت إليه والتزمت فيه تقديم من كان أول اسمه همزة ثم من كان ثاني حرف من اسمه الهمزة أو ما هو أقرب إليها على غيره فقدمت إبراهيم على أحمد لأن الباء أقرب إلى الهمزة من الحاء، وكذلك فعلت إلى آخره ليكون أسهل للتناول وإن كان هذا يفضي إلى تأخير المتقدم وتقديم المتأخر في العصر وإدخال من ليس من الجنس بين المتجانس،
لكن هذه المصلحة أحوجت إليه ولم أذكر في هذا المختصر أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم ولا من التابعين رضي الله عنهم إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثر من الناس إلى معرفة أحوالهم وكذلك الخلفاء لم أذكر أحداً منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب،
لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم، ونقلت عنهم، أو كانوا في زمني ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي بعدي، ولم أقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة، مثل العلماء أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشعراء، بل كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه، ذكرته وأتيت من أحواله بما وقفت عليه من الإيجاز،
كي لا يطول الكتاب وأثبت وفاته ومولده إن قدرت عليه، ورفعت محاسن كل شخص بما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر أو رسالة ليتفكه به متأملة ولا يراه مقصوراً على أسلوب واحد فيمله؛ والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إذا كان مفننا وبعد أن صار كذلك لم يكن بد من استفتاحه بخطبة وجيزة للتبرك بها فنشأ من مجموع ذلك هذا الكتاب وجعلته تذكرة لنفسي وسميته كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان مما ثبت بالنقل أو السماع أو أثبته العيان.
الدكتور يونس قدوري الكبيسي
بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث