الأنبياء هم رسل الله إلى خلقه، وأئمة الهدى في أرضه، وحملة أمره ونهيه، جمعت أقوالهم بين الهداية والوجازة، فطويت لهم عبارات من القول كثيرة، لتنظمها ألسنتهم كلمات وجيزة قليلة، فهداية أقوالهم دفعت الناس إلى جمعها وحفظها، والاهتداء بنورها، ووجازتها حملت العالمون من أتباعهم على تفصيلها وشرحها واستنباط أحكامها، وأقوال نبينا كان لها النصيب الأوفر من الجمع والتدوين والشرح.

فكان البخاري، والفتح الذي لا هجرة بعده لابن حجر، ومسلم والمنهاج للنووي، وغيرها كثير وكثير.ووقفتنا هذه ستكون مع مخطوط بعنوان «شرح مصابيح السنة للبغوي»، أما مؤلفه فهو الإمام محمد بن عبداللطيف بن عبدالعزيز، المشهور بابن مَلَك الكرماني، المتوفى سنة 854ه، فقيه حنفي كأبيه صاحب مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار، ومن يشابه أباه فما ظلم؟ له كتب في الفقه الحنفي منها: شرح الوقاية.

* موضوعه

أما كتابه «شرح مصابيح السنة للبغوي»، فمتنه (المصابيح) جمع فيه مؤلفه الإمام الحسين بن مسعود الفراء البغوي، توفي سنة 516ه، ألفاظاً صدرت عن صدر النبوة مما أوردها الأئمة السابقون في كتبهم كالبخاري ومسلم وغيرهما، وقد بلغت عدة ما جمعه أربعة آلاف وأربعمئة وأربعة وثمانين حديثاً بنص الشارح في المقدمة، وقد ربت شروحه على العشرات.

والأحاديث المختارة قسمها المؤلف إلى قسمين: صحيح وحسن، وأراد بالصحيح ما أخرجه البخاري ومسلم، وبالحسن ما أخرجه غيرهما من الأئمة، وقد نصّ على ذلك في مقدمته.وتشمل هذه الأحاديث جميع ما يحتاجه المسلم في مسائل الاعتقاد والعبادة، لذا قال في مقدمته عن سبب تأليفه، «جمعتها للمنقطعين إلى العبادة»،

ويقول الشارح معقباً: «أي لمن انقطع عن الدنيا، وتوجه إلى العبادة، فمن هذه صفته فلابد له من معرفة الأحاديث، إذ لا يمكن سلوك هذه السبيل إلا بدليل يقتدي به في أفعاله وأقواله، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل إلى معرفة أقواله وأفعاله بعد الصحابة إلا بتتبع الأحاديث..».

* منهجه

سار الشارح في شرحه على خطا صاحب المصابيح في ترتيب الأحاديث، مبتدئاً بمقدمة موجزة بين فيها سبب تأليفه، ومنهجه في الشرح، جاء فيها: «إن كتاب المصابيح في سنن الهدى كتاب فاخر، والنفع فيه للمنقطعين للعبادة وافر، له شروح بعضها بسيط، وبعضها وسيط، التمس منّي بعض إخواني أن لو كان له شرح جامع لفوائد على طريق الحل لصار المتن بلا مهمل..، فأجبتهم لملتمسهم» وتلا هذا البيان شرح لديباجة المؤلف.

وكان أول الكتاب بعد المقدمة كتاب الإيمان مفتتحاً بالحديث الذي يرويه عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..».ثم أدرج المؤلف في هذا الباب عدة أحاديث تبين أركان الإيمان مما وقع عليها اختياره، والشارح في كل ذلك لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أقوال المؤلف إلا تعقبها بالتفصيل والشرح، والبيان.

تلا هذا الباب أبواب في العبادات وفروعها المتنوعة، إلى ان ينتهي به المطاف، كما هو الحال في كتب الحديث، إلى كتب المناقب والفضائل؛ ليكون مسك ختام هذا السفر الجيل (باب في ثواب هذه الأمة)، وآخر أحاديث هذا الباب حديث من الحسان، يرويه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: «مثل أمتي مثل المطر، لا يدري أوله خير أم آخره». والذي يقرأ في هذا الشرح يجد تنوعاً في مضمونه، وطريقة شرحه، وقد تميز بأمور منها:

1ـ إن الشارح التزم بمنهجه في تعقب المصنف في كل أقواله شارحاً ومبيناً، فلا يترك منها شيئاً إلا كان له نصيب من تعليقه.

2ـ ضمن هذا الشرح كثيراً من الفوائد البلاغية والتعبيرية.

3ـ نثر الشارح في هذا السفر الكثير من عبارات اللغويين في ضبط المفردات اللغوية، بالإضافة إلى إعراب كثير من الأحاديث النبوية.

4ـ إن هذا الشرح مع وجازته فقد تضمن الكثير من أقوال العلم وآرائهم.

* نموذج من المخطوط:

عن ابن عمر رضي الله عنه انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بُنيِ الإسلام على خمس، أي خمس خصال، شهادة: بالجر بدل من خمس، وبالنصب بتقدير أعين، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، ولم يذكر الاستطاعة هنا لشهرتها، وصوم رمضان.

فإن قيل: لم قدم الحج على الصوم هنا؟

أجيب بأن (الواو) لمطلق الجمع لا للترتيب، وقد علم ترتيب وجوب هذه الأركان مما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: بعث الله تعالى نبيه عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا به زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين...».

* نسخة المخطوط:

يوجد في خزائن مركز جمعة الماجد نسخة مصورة نفيسة من هذا الشرح، وهي محفوظة في المركز برقم (13050)، وعدد أوراقها (446) ورقة، في كل ورقة (25) سطراً، وهي نسخة كاملة مصححة، واضحة الخط. وفي الخاتمة، نسأل الله حسنها، نتوجه بعرض إلى الذين شغلهم حب التراث، وأضناهم التعب في البحث عن نوادره، ألا من طالب علم يشمر عن ساعد الجد، فيكشف مخبوء هذا السفر الجليل؟

د. هادي أحمد الشجيري

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث