في المدن التي نراها ونتعرف عليها تبرز بعض المعالم التي تشكل دلالات المكان وسماته وتسهم في إعطاء الخصوصية وتميزه عن غيره، وغالباً ما تكون تلك المعالم أبنية أو آثاراً أو شوارع وأسواقاً حديثة، لكن منطقة مزيرع إحدى مناطق إمارة عجمان تبدو معالمها خاصة، فما أن تقترب من المكان حتى تميز مزارع النخيل التي نشرت خضرتها بالمكان، وأعطته ألفة وصفاء ينسجم وطبيعة الحياة في تلك المنطقة.

تبعد مزيرع عن إمارة عجمان حوالي 110 كم، وقد ذهبنا إليها عبر الطريق الواصل بين دبي وحتا عبر منطقة الهباب، ثم المدام ثم ولاية محضة حتى وصلنا المنطقة التي بدأت بأسواق كبيرة للفخاريات تطل على الشارع العام من الجانبين، وما أن دخلنا الشارع الفرعي الموصل إليها حتى شاهدنا المزارع القريبة من البيوت وخلفها سلاسل الجبال التي تؤطر المكان بمنظر طبيعي آسر، وفي المنطقة التقينا عدداً من شوابها الذين عاشوا ماضيها وألفوا صخورها ونخيلها،

وقد بدأ الحديث الحاج سرحان محمد ابن راشود الكعبي قائلاً: «نحن زدنا على الناس بالجو النقي والمنطقة الجميلة والأرض الخصبة، وقد زرعها أجدادنا بالبر والنخيل، وكان فيها يسقي المزارع، وقد تركزت حياة الناس على الزراعة وصناعة «الصخام» وحياة الماضي كانت غير مكلفة كما هي اليوم،

فالأسعار زهيدة والناس لا يمتلكون الكثير من المال، لكنهم قانعون بما يملكون، حيث كانوا يبيعون «جونية الصخام» بروبية ونصف الروبية، والدابة كانت تحمل أربع «جواني» وكان «مَنْ» القهوة بنصف روبية، وجونية العيش «البلم» وهو أحسن الأنواع في ذلك الوقت بسبع روبيات، وكندورة الرجل من قماش البفتة «بربع روبية»، وكندورة المرأة من قماش «أبوقليم» بنصف روبية،

وكذلك الكندورة النيل، وكان الناس يأخذون الأغنام من مزيرع والمناطق المحيطة بها ويبيعونها في مناطق الساحل وكان سعر الذبيحة بروبية ونصف ويسمونها في ذلك الوقت جلب، ويشترون التمر البصري والميناوي، وكذلك القاشع من الباطنة وكانوا يعلقون السمك على البوش حتى يصلون المنطقة، ولا يسافر الرجل وحده بل يجتمع عدة رجال في قافلة مجتمعة ويحملون معهم أنواع البنادق المختلفة مثل الميزر والصمعة والفلسي وأم عشر والخديوي والمستحية.

* أيام زمان

ويتحدث سلطان صبيح عبدالله ساري الكعبي عن الزمان الأول قائلاً: «كنا نزرع الذرة والشعير والبر والدخن و«التتن» أو «الغليون» الذي نبيعه في دبي أو لتجار البحرين، وكان السقي باليازة، وقد كانت المياه كثيرة والأرض ثرية خصبة، وكانت عيشة الناس تعتمد على السفر على الجمال وبيع منتجاتهم في الأسواق الساحلية، وكانت بيوت البدو خياماً من الشعر، أما الحضر فيبنون بيوتهم من الحصا والدعون.

ويتحدث سلطان الكعبي عن عمل المرأة آنذاك قائلاً: «لم تكن أعمال المرأة مقتصرة على داخل البيت أو الطبخ فقط كانت ترعى الحلال وتجلب الحطب والماء وتحلب وتخض اللبن وتطحن البر أو الشعير لتصنع منه الخبز، وكانت تخيط ملابسها وملابس عائلتها بنفسها فقط كان الرجل يشتري الكسوة قطعاً من القماش وتخيطها المرأة،

ولم تعرف النساء الخادمات في ذلك الوقت وهن يقمن بجميع الأعمال المنزلية، فالمرأة تتحمل مسؤولية بيتها وأولادها وتعاون الرجل في بعض أعمال الزراعة خاصة في موسم الرطب، فضلاً عن أنها تصنع أدوات منزلية وفرشاً من خوص النخيل وسعفه.

ويأتي الحديث عن رمضان فيتحدث الرجل عن حياة الناس آنذاك فيقول: «رمضان كريم يستقبله البدو والحضر بفرح، فيقيمون «بريزة» يجتمع فيها الرجال عند الفطور ويفطرون معاً وكل شخص يحضر طعامه حسب قدرته، وبعد صلاة التراويح يتحدثون في شؤون الحياة المختلفة، وفي منتصف الليل يقدرون الوقت ويتسحرون حسب مواقع النجوم، وكانوا يصومون على الهلال ويفطرون بالحساب».

ويضيف أبو علي: كان المتمكن مادياً من أهل المنطقة يذبح الذبائح في رمضان، وكان كل شيء متوفراً فالأرض تعطي من خيراتها فضلاً عن توافر العسل والحليب والسمن والدجاج وغيرها من الأطعمة المعروفة آنذاك، وكان العسل يأتي في مواسم مختلفة، فقط عرف الناس عسل «اليبياب» أو السدر الذي قلّ في السنوات الأخيرة لقلة أشجار السدر، وعسل السمر أو البرم وعسل العشب، وكل هذه الأنواع تتمثل غذاء ودواء للناس.

ويقول الحاج سرحان بن راشود الكعبي: «كان الناس يجتمعون على الافطار ويصلّون التراويح في البريزة، وكان في منطقة حدف مسجد جامع يصلي فيه الناس الجمعة، ولم يكن هناك مطوع في القرية لكن الناس في ذلك الزمان أصحاب ذهن حاضر يحفظون القرآن ويقرأون ما تيسّر منه، ويعتمدون على النية الصادقة في عبادتهم، فلم يكن رمضان عندهم شهر بذخ وتبذير، بل كان شهر العبادة والصوم ولم يكونوا يتركون أعمالهم ويركنون إلى الكسل،

فتجد كل شخص منهم في الصباح يعمل في بستانه ويتحمل الجوع والعطش والحر، بينما يصوم الناس اليوم تحت هواء المكيفات، ويأخذون الإجازات في هذا الشهر، ويسكنون الأسواق للشراء، فتجد ما يزيد من المائدة أكثر مما يؤكل، وهذه الحالة لم تكن موجودة في الماضي ولا عرفها أهلنا القدماء، وكان طعامهم مما قسم الله من خبز البر والعسل والسمن والعيش القليل ومنهم من يطبخ الدجاج أو اللحم، وأحياناً يفطرون بالتمر والكامي».

* تواصل دائم

ويذكر طريقة حياة الناس في الماضي قائلاً: «على الرغم من أن الوقت شظيف و« العيشة قليلة»، لكن الناس كانت متواصلة «والأول» قلوبنا مرتاحة، وكان كل شخص يقول «جارك ورفيجك» الجار يسأل عن جارة في الصباح والمساء وقلوب الناس متوالفة ولا يقطعون الزيارة بينهم وكانوا يجتمعون على رأي واحد ويسمعون قول الكبير حتى لو لم يكن أباً أو عماً مقرباً لهم، كما كان التكافل موجوداً بين الناس، منهم يساعدون الفقير، ويشاركون المتزوج في تجهيز عرسه،

ويساهمون في بناء البيوت ومساعدة الآخرين». وكان أهل مزيرع يعتمدون على زراعة النخيل التي يتحدث عنها الحاج سلطان الكعبي قائلاً «منذ وعينا على الدنيا وأهلنا يزرعون النخيل الذي يشكل عنصراً مهماً في حياتهم، فالنخلة رفيقة الناس، تعطيهم من ثمرها تمراً ورطباً ومن سعفها تصنع الأدوات المختلفة وتبنى البيوت،

فلا يستغنى عن أي جزء منها، وقد كان الناس يزرعون أنواعاً معينة من الرطب منها «نغال وأنوان والشمام والفرض والقلة والمسلي والخصاب» وكل تلك الأنواع تعطي ثمرها في القيظ مع اختلاف بسيط في الأوقات التي ينضج فيها أي نوع من الرطب. وكان المزيرع منطقة زراعية تسعى بالأفلاج ولا يزال فيها فلج قديم، وفيها عدد من الطوى،

وفي الماضي كانت الوديان تجري مثل وادي غلفا ووادي المجرة ووادي الحتاوي ووادي قيمة والفي وهي محاذية لعُمان ولمنطقة مصفوت، وقد أصبحت عامرة بالسكان بعد أن بنيت فيها حوالي سبع شعبيات. خرجنا نحو المنطقة لنتعرف على تفاصيلها فأنعشنا الهدوء الذي تميزت به، فالنخل يتوسط البيوت ويحيط بها في لوحة منسجمة الألوان والتكوينات، تشكلت عبر الزمن وروت حكاية القرية القديمة النائمة في أحضان الوادي.

استطلاع: دلال جويد