من أشهر نصوص النثر العربي في تاريخه «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، ذلك الكتاب المهم والخطير الذي لا يزال حتى زمننا هذا، وسيظل طويلا في رأينا، يسيل حبر السجالات في كل الاتجاهات منها في اتجاه التساؤل حول إيمان شاعر المعرة وهو ما تؤكده الدكتورة بنت الشاطئ، واتجاه النقاش حول ما إذا كان دانتي الايطالي، عرف الرسالة فصاغ «الكوميديا الإلهية»، وهي أعظم سفر في شعر النهضة الأوروبية على منوالها.

هناك دائما في أوساط الثقافة الغربية من يقول انه لم يكن ممكنا لصاحب «الكوميديا الإلهية» الشاعر الايطالي الكبير دانتي أن يكون قد اطلع بأي شكل من الأشكال على «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري... ورغم هذا ثمة بين العملين الأدبيين الكبيرين قواسم مشتركة ونقاط تشابه مثيرة حقا: مثيرة للدهشة وكذلك مثيرة للحيرة.

غير إننا نكتفي هنا من هذا الموضوع بهذه الإشارة ونحن نعرف أن هناك عشرات الكتب ومئات الدراسات، في الأدب المقارن خاصة، التي تناولت هذا الموضوع، وصل بعضها إلى تأكيدات والبعض الآخر إلى تأكيدات مضادة، في تساو مدهش بدوره للحجج بين الطرفين.

هنا فقط تتوقف عند هذا الكتاب المهم والممتع والعميق في آن معا، الذي كتبه شاعر المعرة الضرير، وهو في الستين من عمره، واصفا فيه أفكاره وفلسفته وتأملاته في الحياة والموت، في الفكر والعلاقات، في الأدب والشعر، ليكون أشبه بوثيقة÷ وبوصيته÷ فكرية لا يشبهها نصوص كثيرة لا في تاريخ الأدب العربي ولا في تاريخ الأدب العالمي.

ويقينا، إن قراءة متأنية لنص «رسالة الغفران» كما كتبها أبو العلاء المعري، في التفاصيل والأفكار والترتيب المنطقي، تجعل من غير المهم على الإطلاق ما يقال عادة من أن المعري إنما استند في كتابته هذا الشعر إلى «رسالة ابن القارح» التي كانت ـ وبإقراره ـ على أية حال دافعه إلى كتابه «الرسالة».

فكما أن من يقرأ «هاملت» شكسبير، لن يهتم أبدا بأصلها الحدثي والتاريخي، كذلك الأمر مع رسالة الغفران، ذلك أن هذا العمل قائم في ذاته، يحمل جوهره في التفاصيل أكثر مما يحمله في الموضوع. فنحن نعرف أن «رسالة الغفران» هي في المقام الأول ومن ناحية الموضوع وصف لرحلة في الحياة الأخرى من النوع الذي لطالما تمنى الأدباء والمفكرون القيام به أو التعبير عنه..

لكن نقرأ قليلا منهم فقط عرف كيف يفعل ذلك.. أي كيف يعبر عنه كتابة في رحلة أدبية لامعة. ولكن خلف هذا الشكل الأدبي نجد أن «رسالة الغفران» قبل أي شيء نص فلسفي يتأمل الوجود والتاريخ والحياة. ويضرب في الإبداع الإنساني...

مع اليقين بأن أبا العلاء المعري إنما شاء عبر وصفه وتحليله للشخصيات التي يلتقيها خلال رحلته الأبدية تلك، من شعراء وقادة وأدباء وفلاسفة ومفكرين ومتكلمين، أن يعبر أول ما يعبر عن ذلك التمزق الذي كان هو يعيشه بين إيمانه وشكه، يأسه وأمله، متسائلا عن جدوى كل ما عاش فيه وله، وعن مكانة الإنسان في هذا الكون. والحقيقة أن «رسالة الغفران»

هذه تكشف لنا من ناحية كم كان أبو العلاء المعري مؤمنا في عمق أعماقه يعيش إيمانه الصادق بكل جوارحه، مؤمنا بوحدة الله ورسالة نبيه، وكم انه كان في الوقت نفسه شكاكا لا يرى فائدة في صورة يصنعها بعض المتكلمين للدين ولعل في هذه السمة من سمات موقف المعري، معبرا عنه في رسالة الغفران، ما شجع أعداءه على اتهامه بالكفر والزندقة. غير أن هذا الاتهام ظالم،

وهذا ما تؤكده صاحبة أفضل تحقيق لرسالة الغفران الباحثة الراحلة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، التي لا تفوتها مناسبة الا وتنوه فيها ب«إيمان المعري» مبررة لحظات الشك واليأس التي عاشها وتورد تفسيرا لكتابة الشاعر هذا النص، يرتبط بالبعد النفساني، حيث تفيدنا أن «رسالة الغفران» تعبر عن أماني المعري الودودة وبأنها «مشحونة بأصداء أشواقه المكبوتة وصليل القيود التي كبلت نفسه بالحرمان الباهظ وقد أطلق لها العنان في رؤيا عجيبة من رؤى يقظته وهذيان أمانيه،

فصورت لنا عالمه الآخر كما تمثله وكما اقترحه عليه حرمانه، فالمقيد الذي لم يغادر محبسه منذ عاد من بغداد إلى أن مات والذي الجم عواطفه الهادرة وكبت انفعالاته الجياشة، جاءت جنته حافلة بالحركة بريئة من الهدوء والسكون، فيها رحلات صيد وزيارة ونزهة، وقد تعنف الحركة، تقول بنت الشاطئ، فتصير عراكا ومناقرة وعربدة، ويعلو الصوت فيصير صياحا وجعجعة، على أن هذه الحركة الحسية لا تقاس بالحركة النفسية العنيفة التي تموج بها جنة الغفران،

وتضطرب فيها نفوس المدعوين»، تؤكد الباحثة هذا تضيف: إن صائم الدهر الذي حرم على نفسه لذات الدنيا، ملأ جنته بالخمر والنساء، وتفنن في حشد صنوف من اللذائذ الحسية والشهوات المصورة» إذا، فان الرسالة في نظر المفكرة الإسلامية الكبيرة إنما كانت «نوعا من التعويض بالنسبة إلى إنسان حرم كل شيء في دنياه، فأراد أن يحصل على كل شيء في الخيال ولو عن طريق بطله ابن القارح».

نذكر هنا أن «رسالة الغفران» هي أصلا جواب على رسالة وردت أبا العلاء المعري من أديب حلبي يدعى علي بن منصور وعرف بابن القارح.. حملت دعوة إلى أبي العلاء ليؤمن ويعمل «متقبلا الشرع» مردوعا «عن ترك الأصل إلى الفرع». وكان رد أبي العلاء ذلك النص الذي يصطحب فيه ابن القارح إلى العالم الآخر. إلى الجنة والنار، مندفعا في وصف من يلقيان فيهما وما يلقيان فيهما.

وفي القسم الثاني من الرسالة يرد المعري على جملة أسئلة يطرحها عليه رفيقه مبديا رأيه في بعض الآراء والأفكار: في المتنبي والحلاج وابن الرومي وفكرة التناسخ والتقليد، بين أشخاص آخرين وأفكار أخرى. ونعرف أن المعري كتب رسالته هذه أثناء عزلته الطويلة. ولقد وجد الباحث الأب يوحنا قمير، بينها وبين «لزوم ما لا يلزم» (اللزوميات) مواطن قربى: من الثروة اللغوية إلى الأغراب في الألفاظ إلى الاطلاع على الأديان والمذاهب...

ولعل من المشاهد الطريفة والعميقة في رسالة الغفران ذلك الذي يلقى فيه ابن القارح «آدم» عليه السلام في الطريق فيقول له: «يا أبانا صلى الله عليك، لقد روي عنك شعر منه قولك: نحن بنو الأرض وسكانها/منها خلقنا واليها نعود/ والسعد لا يبقى لأصحابه/ والنحس تمحوه ليالي السعود».

فيقول له آدم: «إن هذا القول حق وما نطقه إلا بعض الحكماء، ولكني لم اسمع به حتى الساعة». فيقول ابن القارح: «وفر الله قسمه في الثواب، فلعلك يا أبانا قلته ثم نسيت. فلقد علمت أن النسيان متسرع إليك.. وقد زعم بعض العلماء انك إنما سميت إنسانا لنسيانك». فيقول آدم (صلى الله عليه): أبيتم إلا عقوقا وأذية، إنما كنت أتكلم بالعربية وأنا بالجنة، فلما هبطت إلى الأرض نقل لساني إلى السريانية، فلم انطق غيرها إلى أن هلكت.

فلما ردني الله إلى الجنة، عادت علي العربية. فأي حين نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم في الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يقوله في الدار الماكرة. ألا ترى قوله «منها خلقنا وإليها نعود»، فكيف أقول هذا المقال ولساني سرياني؟ وأما الجنة وقبل أن اخرج منها، فلم أكن ادري بالموت فيها».

كما أثرنا كتب المعري «رسالة الغفران» وهو في الستين، في العام الميلادي 1040 تقريبا، أي قبل وفاته بأكثر من عقد ونصف العقد، وذلك في وقت كان قرر فيه أن يستقر في المعرة لا يبارحها.. وهو كان قبل ذلك قام برحلته الشهيرة والحاسمة إلى بغداد والتي لم يبق فيها سوى عام ونصف العام.. إذ كانت خيبته فيها كبيرة لذلك سرعان ما بارحها يائسا ليشرع من فوره في كتابة «رسالة الغفران» خالقا فيها عالما شاسعا بديلا من واقعه.