تعد مرحلة بدايات القرن الماضي مرحلة مخاض ثقافي وفكري في منطقة الإمارات. إذ شهدت هذه المرحلة بروز المدارس شبه النظامية ووصول المدرسين من خارج حدود الإمارات لتدريس الطلاب من خلال تلك المدارس أو الحلقات الخاصة.

كما شهدت بداية البعثات الدراسية إلى الخارج، حيث غادرت مجموعة من أبناء الإمارات إلى مناطق مختلفة لتلقي المزيد من العلوم، بعد أن كان الأمر مقتصراً على سفر شخص أو اثنين. وقد مثل تواصل أبناء الإمارات مع المثقفين من أبناء الدول العربية الأخرى، سواء في بلدانهم أو في الهند التي كانت ملتقى للمثقفين العرب آنذاك. وتواصلهم مع الصحافة نقلة في تنمية الوعي لديهم وسعيهم لمحاكاة تلك التجارب.

مجلة الأديب شهرية أصدرها في لبنان ألبير أديب، وهي مجلة تعنى بالأدب العربي إبداعاً ونقداً. وممن نشروا فيها الدكتور أحمد أمين المدني الذي نشر قصيدة فيها وكتب عنها الأديب حسين علي صعب دراسة نقدية، ورد الدكتور أحمد أمين المدني على النقد بمقالة بعنوان ملاحظات عابرة بالجزء السابع من السنة التاسعة عشرة الصادر في يوليو 1960م.

* تعليق على نفحة من الشرق

ما زالت قضية الشعر تستأثر باهتمام الأدباء والقراء معاً، ومسرحاً للبحث والمناقشات، ولا غرابة في هذا فالشعر عند العرب كان يحتل مركز الصدارة الأدبي، تعقد له الأندية، حيث يشتد الجدل في الأخذ والرد حول تقييمه. والشاعر مسؤول عما ينتجه مطالب بأن يبدع بأصالة لا ان ينسب قصائد غيره لنفسه بعد ان يغير بعض أبياتها ويشوه مضمونها تماماً كما فعل أحمد أمين في قصيدته ـ نفحة من الشرق ـ المنشورة في عدد مارس من «الأديب».

إذا دققنا في موضوع هذه القصيدة نجده في انحراف عن مادة واقعة. فالشاعر إزاء نفحة من الشرق نزلت في قرارة عيونه، يهيم في صور قديمة تحمل طابعاً شرقياً قديماً حيث كانت القصور والجواري الراقصات على لحن مثار: فتحت افقاً لعيني مليئاً بالجواري ـ يتهادين على الأنغام في شوق مثار ـ واستدارت كأن الأفق منها في دوار ـ وهي تمضي في صعود ثم تهوي في انحدار.

والحقيقة ان الشرق ما زال في كبوة يحاول جاهداً ان ينهض منها وان يبني مجده بيده ويحتل مكانته المرموقة في العالم الحضاري. ان الكابوس الرازح على صدر شرقنا كفيل بأن يحول الانظار عن الأجواء الوادعة الوهمية إلى الواقع المؤلم. الشرق وما يصطرع في أحشائه من ثورات، موضوع إنساني زخم يمكن للشاعر الحق ان يتناوله بحرارة وعمق ويخلق منه أدباً جديراً بالاحترام والتقدير.

ولقد فشل أحمد أمين عندما حاول أن يعبر بافتعال عما أحدثته في نفسه تلك النفحة الشرقية، فتصور بلاده سماء ضاحكة وصحوا جميلاً وأغاني تتردد في الآفاق. فالصور. فالصور والتعابير التي استعملها ليست سوى ظلال مشوهة لقصيدة لسعيد عقل. فهذه مقاطع من القصيدتين تؤكد صحة ما ذهبت إليه.

يقول عقل: ساعة وانفلتت .. ما نجد ما شم العرار ـ ويقول أمين: تنثر الأطياب ما نجد وما شم العرار ـ يقول عقل: من شذى السوسن فيها ودماليج الصغار ـ ومن التجواب والتيه بأحضان الصحارى ـ شق آفاقاً من الألحان ملأى بالجواري ـ .. فهي أفق المنتهى والكون منها في دوار ـ يقول أمين: من شذى السوسن وعبير الجلنار ـ ومن التجواب في الليل بأحضان البراري ـ.

وبعد هذه القصيدة شيء من المعاناة بعد وضوح (اللطش) ثم هل هذا البيت موزون: واستدارت كأن الأفق منها في دوار ـ. ولكي يستقيم الوزن كان لزاماً على الشاعر ان يقول واستدارت لكان أو فكان الأفق منها في دوار.

حسين علي صعب

* رد أحمد أمين المدني على حسين صعب

يظهر لي ان مهمة الناقد ـ كما يقولون ـ هي استكشاف الحقيقة بحسن نية حين يلتقي بتجارب الآخرين. دون ما تحيز، يوقعه في الذاتية، أو انتقاء لموقف معين، يوحي منه بأفكاره الينا عند استعراضه لتجارب الآخرين وانطباعاتهم. كان لابد لي من هذه الومضات الخاطفة، لنرى في ضوئها تعليق الأخ حسين علي صعب في عدد مايو «حول بعض قصائد عدد مارس من الأديب» استفتح الأخ حسين تعليقه بحملة متحمسة اتهمني فيها بالتشويه والانحراف عن مادة واقعي و«اللطش» والهيام بصور الشرق القديم.

إلى آخر ما استطاع استخدامه من صفات في حملته على شخصي الضعيف. سامحه الله، وعفا عنه، ان صفة من تلك الصفات كافية للتنفيس عن سخطه، وغضبه، ولكن مع ذلك لي بعض ملاحظات على تعليقه أرجو ان لا يضيق بها صدره، أو تثور لها أعصابه.

ان اتهامه بأن قصيدتي ظلال لقصيدة سعيد عقل يرجع إلى تسرعه، وعدم وقوفه في تمعن عند هذه الظاهرة، ولو تأنى وقارن بين القصيدتين لا تفصح له الفرق بين مستوى القصيدتين في التجربة، والتعبير.. وان كان هناك تشابه في المجرى النفسي أو الوزن ـ وهو من مجزوء الرمل ـ فإن هذا لا يعني اني تناولت قصيدة «عقل» وشوهتها.

وان كثيراً من المفردات التي يزخر بها كثير من شعرنا المعاصر ترافق عادة هذا اللون من التجارب. وهي ليست وقفاً على أحد ان اللغة ملك مشاع للجميع. والناقد حين يصادف مثل هذه الظاهرة عليه ان يتعمق أعراضها ويتحرى الملابسات التي صادفتها. فالحكم العابر لا يقبل حتى الأخ حسين بتقريره وتسجيله. فكيف فاته هذا..؟ ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة. ولتكن هذه الأمثلة مستمدة من الأدب الغربي.

إذا نظرنا إلى الفترة الممتدة من القرن السابع عشر إلى بزوغ الحركة الرومانتيكية، نجد ان معظم شعر تلك الفترة، يفيض بألفاظ اللظى، واللهيب، والقرابين، والشهداء والأصفاد وكان هذا اللون من الاستعارات له سوق رائجة في اوروبا مثل «أسبانيا ـ انجلترا ـ فرنسا ـ إيطاليا» وكان يترأس هذه الحركة «بترارك» وهو الذي بدوره قلد لغة الغزل «التروبادية» فلم تنقض فترة من الزمن حتى أصبح من التعبير المبذول. والاستعمال العادي.

وإذا بأسلوب آخر يأخذ طريقه إلى الشعر، فظهرت كثير من ألفاظ الحقول والمراعي وأخذوا يعبرون بها عن حبهم واستمر هذا الأسلوب فترة أخرى من الزمن .. وهكذا دواليك وقد ذكر «مسيو فياتي» في كتابه «البتراكية في فرنسا» وكذلك فعل مؤرخو «الأورفيه» في انجلترا وكان رائدها «جون ليلي» إلى كثير من هذه الأمثلة التي لا نقدم مثلها في تاريخ الأدب العربي الحديث.

أما عن ذكره بأني فشلت في تصوير الأثر فهذه ناشئة عن اختلاف نظريتنا إلى الحياة. وليته كان في مكاني وعانى ما أعانيه في غربتي المحزنة وما أمر به من تجارب لكان حكمه غير ذلك. ولما وصفني بالانحراف عن «مادة واقعي» فإن كان يريد مني ان أتخذ من مشاعري شعارات سياسية وواجهات حزبية، فإني لا أتفق معه. لأن الالتزام في شرقنا معناه ان تمثل جهة معينة، وتفتعل مآسي لم تؤثر فيك ولا تأثرت بها.

وهذا ما نأباه على الفنان. لأن الفنان ـ في رأيي ـ حر في التعبير عما يحس به، شريطة ان يكون في تعبيره صادقاً. وعلى ضوء هذا المفهوم أرى من العبث المناقشة حول إشارته إلى هيامي بصور الشرق، وانحرافي عن مادة واقعي ـ اختلاف الأفراد يقضي بداهة اختلاف الأذواق، فهذه نزعة فردية، وكل تدخل فيها يعني اعتداء على حرية الآخرين.

قبل ان أضع القلم أود ان ألفت نظر المعلق إلى إشارته ان الوزن في البيت غير مستقيم. هذا صحيح لو كان البيت على الشكل الذي قرأه فأنا لم أكتب البيت إلا على الشكل الآتي:واستدارت كان الأفق منها في دوار ولكن يظهر ان الألف الثانية بعد الراء قد سقطت أثناء التبييض فكانت الكارثة.

كما أود ان يقرأها الأخ منونة التاء ومرفوعة. لم أكتب هذه الكلمة العابرة إلا للإيضاح ولم يكن في نيتي الرد عليه لولا خشيتي ان يعتبر سكوتي إدانة وقد اقتصرته على القسم الذي يخصني من التعليق. وللأخ حسين حبي وتقديري.

إعداد :بلال البدور