عندما تعود بك الذكريات إلى ماضٍ ولى، تمر بك ذكرى الأيام الخوالي من ذاك الزمن البسيط والجميل، أنها رحلة عبر الزمن، تكشف لنا الكثير من سنوات طويلة، البعض عاشها وتعلم منها، وشكر الله على ما نحن فيه من نعمة اليوم، والبعض الآخر لم يعشه، فلم يدركها، لكنه حتماً سوف يتعلم منها، فالحياة دروس ومواقف وعبر.

جمعة جمعة بن علي بن رحمة الدرمكي واحد من أوائل تلك الأيام.. أيام الزمن البسيط، أيام اللقمة الهنية، أيام الألفة والمحبة، بدأ حياته بسيطاً بعلومه وماله، وخاض غمار الحياة فتعلم منها وهو يحمل في مكنون ذكرياته الحب والوفاء وهو يرى اليوم كيف تطورت الحياة في الشكل على حساب المضمون «كما يقول».

يروي لنا أبوعلي ذكرياته داخل محله الخاص ببيع القطع الأثرية التي هي جزء من حياته وكنز ذكرياته يقول:

حياة بسيطة وسعيدة، حياتنا أيام زمان كانت بسيطة جدا وخالية من التعقيدات والأفكار المادية التي أصبحت سائدة هذه الأيام.ويأخذ أبو علي نفسا عميقا وزفرة حزينة ويضيف لقد كنا في مجتمع متعاون متكاتف نقتسم الفراش واللحاف ولقمة العيش الذي يملك يعطي من لا يملك.

كنا نذهب في «المكدة» وهي رحلة على الأقدام والجمال نحمل «السخام والثمام» وهي شجرة لتقدم لمن لديه مواشي بدلا من المراعي لا سيما في المناطق البحرية وكذلك نحمل «اللومي» حيث كانت مدينة العين مصدرا لكل هذه الأشياء نذهب بها إلى دبي وابوظبي نقطع المسافة في يوم وليلة ونبيع هناك التمر ودهن الغنم ودهن الإبل ونعود للعين نحمل الملابس وبعض الأطعمة الغير موجودة،

وفي المساء أو عند الصباح تجلس النساء خلف «الرحى» لطحن حب القمح الذي كنا نزرعه في منطقة هيلي حيث افلاج المياه التي تروي النخيل والحنطة والرجل الغني أو المقتدر كان يسمي في ذاك الزمن «هنغري» ولا نعرف مصدر هذه الكلمة إنما تعلمناها بالسماع، وهذا الثري كان يقدم الإعانات للمحتاجين دون مقابل، حيث كانت الشيمة والرحمة. ولم نكن نعرف الشيكات أو القروض ولا حتى البنوك وليست بيننا عقود، تلك كانت مظاهر الحياة العامة.

* أعراس زمان

ونعود مع جمعة وعلى ريحة الهيل والقهوة العربية التي قدمها لنا في خيمته التي نصبها إلى جانب محله كتشجيع للسياحة والحفظ على التراث، نعود إلى أيام الزواج والأعراس، كيف كانت وكيف أصبحت الآن؟ وبصوت يحمل معه عبق الماضي الجميل، يقول أبو علي: أعراس أيام زمان كانت فيها بركة وفيها محبة وليس فيها بذخ «وفشخرة»

حيث كان العرس يتم في مراسم بسيطة إنما بفرحة كبيرة يذبح أهل العريس «جملين» يولم عليها الأعيان وقبل العرس بيومين أو ثلاثة يذهب أبو العريس ليوجه الدعوة للشيوخ رسمياً وجهاً لوجه بدون بطاقات دعوة أو اتصالات هاتفية. ويرفع أبو علي رأسه عاليا ويعدل من جلسته وكذلك يعدل وضع عقاله وغترته وهو يضحك ويقول: عندما تزوجت كان لي شرف كبير بحضور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حفل الزفاف،

وشارك بالحربية وضرب «التفك» كان حينذاك حاكما لمدينة العين وعندما ذهب والدي لتوجيه الدعوة إلى الشيخ شخبوط آل نهيان حاكم أبوظبي، كان في مجلسه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، ووجه لهم الدعوة وكلفوا المغفور له الشيخ زايد بالحضور نيابة عنهم، وبالفعل ما قصر بوخليفة حيث جاء لمكان العرس وشاركنا الفرحة وأطلق من بندقيته عدة طلقات تعبيرا عن فرحته معنا.

أما الآن فقد تغيرت الأحوال وأصبح العرس عبئا على المعرس ووليه حيث يكلف مئات الآلاف ولا أبالغ إذا قلت البعض يكلف ملايين، حيث تستورد الملابس والحلي من أرقى دور الأزياء وكذلك الطعام الذي ينقل بالطائرات والمعازيم من شتى بقاع الدنيا لمجرد «الفشخرة» الناس اليوم تفكر بالجاه والمنصب. ويضيف أبوعلي لقد تزوجت عام 1964 ولمرة واحدة فقط ولي تسعة من الأبناء والبنات درسوا وتخرجوا من الجامعة وبفضل من الله فعندما ينعم الله على الإنسان بزوجة صالحة وأبناء صالحين فلا داعي للزواج مرة ثانية.

* الحياة العملية

نعود مع أبو علي للعمل والوظيفة والتعليم وهنا اشتد قوامه وعدل جلسته مرة ثانية وبروح الشباب التي مازالت قائمة في نفسه، ويقول: شوف بوية نحن عيال أول ما تعلمنا في المدارس ولكن بحمد الله استطعنا أن نطور أنفسنا، فأنا تعلمت على يد المطاوعة وختمت القرآن بحمد الله وهو خير تعليم وخير علم في الدنيا والآخرة.

وفي عام 1960 ذهبت إلى الكويت في دورة تدريبية للشرطة، يرافقه المرحوم حمودة بن علي الذي أصبح فيما بعد وزيرا للداخلية، حيث كنا أربعة أشخاص نسافر لأول مرة، أذكر منهم سهيل محمد عبد الله المهيري، خلفان بن حافش النعيمي بالإضافة إلى 100 شخص معظمهم من الكويت

ومن خريجي الجامعات الأجنبية ونحن بحمد الله حصلنا على المراتب الأولى بالدورة. أما عن منهاج الدورة فقد خصص لنا حصة قراءة وكتابة مرتين في اليوم بالإضافة إلى حصص في قانون العقوبات والإسعافات الأولية والتحقيق والأنظمة الإدارية التي تتعلق بعمل الشرطة.

* الصلح سيد الأحكام

ويضيف جمعة إن القضاء في تلك الأيام كان بسيطاً حيث لا توجد نصوص قانونية كما هو سائد حالياً فالحكم يتم بشرع الله ومن نصوص القرآن ومن خلال بعض القضاة المعروفين كان منهم الشيخ سيد والشيخ مجرن والشيخ ثاني، هؤلاء لم يكن لهم مكان مخصص بل يستقبلون المتخاصمين في دورهم ومنازلهم الخاصة بحضور شخص يمثل الحاكم، فأي شخص له قضية كان يذهب مباشرة إلى مجلس الحاكم،

حيث كان المغفور له الشيخ زايد رحمه الله حاكماً لمدينة العين ومقيم في قصر الجاهلي ومقر الشرطة في دوار المربعة، يلتقي يومياً برجال الشرطة للاطمئنان على أمن البلد.وعندما تعرض القضية على القضاة ولا يجدون حلاً لها تعرض على الحاكم.. حيث كان الصلح هو سيد الأحكام ومن النادر ما كنا نستخدم السجون.

* في الإنتربول

ومع تطور المجتمع وتغير الزمان، كان لا بد من التطور المهني، يقول أبو علي لقد قضيت في سلك الشرطة 26 عاماً حافلة بالعطاء تدرجت في كل المناصب الوظيفية في سلك الشرطة وبفضل الله وصلت إلى منصب رفيع حيث أصبحت مسؤولاً عن الإنتربول وهي وظيفة تتطلب مهارة وكفاءات علمية عالية، فقد طورت من لغتي الإنجليزية التي تعلمتها بالممارسة.

وكان عملنا مرتبطاً بشخصين الأول في سوريا من خلال ضباط الارتباط واسمه عاشق الديري وهو مرتبط بدوره لضابط ارتباط فرنسي اسمه «نيوبت» فكانت التقارير تردنا ونقوم بالتحقيق فيها وأذكر انه من أهم القضايا التي تعاونا فيها إلقاء القبض على شخص اختلس في تلك الأيام مبلغ مليون درهم وتم تسليم المجرم للإمارات.

من خلال هذه الوظيفة أتيحت لي فرصة زيارة عدد كبير من دول العالم، حيث مثلت دولة الإمارات في مؤتمرات وندوات دولية حيث زرت المكسيك والفلبين واليابان والسويد والنمسا واسبانيا وجميع الدول العربية. أما الأسرة والحمد لله لقد قنعنا بما كتب وقسم لنا الله لي 9 من الأبناء ومن زوجة واحدة منذ 38 عاماً.

* رمضان أيام زمان

وعن شهر رمضان فيقول جمعة: تغير الحال رمضان اليوم مختلف جداً عن رمضان أيام زمان فهو شهر الفضائل والمحبة والعبادة والحياة البسيطة يتبادل فيها أهل الفريج ما قسم لهم من طعام الذي لم يكن يتعدى حينذاك المجبوس باللحم والهريس والتمر مع حليب النوق،

وكان النهار شاقاً متعباً من ارتفاع درجة الحرارة أما هذه الأيام فقد تحول الليل إلى نهار والنهار إلى ليل حيث نجد معظم الناس يقضون نهارهم بالنوم لساعات متأخرة، ويتحول الليل إلى النهار حيث السهر في المقاهي والخيام وهو ما لا يمت لرمضان بصلة، أما البعض الآخر فقد استهوته المحطات الفضائية وما تبثه من أغان وأفلام تفسد المعنى الحقيقي لشهر رمضان.