نشأ في بيت علم وفقه وصلاح، وترعرع في مكة المكرمة على أيدي علماء أجلاء تخرج من حلقاتهم وفصولهم وتحت رعايتهم، ومن أبرز هؤلاء العلماء فقيه الشافعية العلامة الإمام عبدالله بن سعيد اللحجي، والعلامة المحدث الفقيه الشيخ عثمان زين والعلامة الأصولي اللغوي محمد عوض والإمام محمد نور بن سيف هلال المهيري وغيرهم كثير، لازمهم في دروسهم العامة والخاصة نحو عشرين سنة.

إنه الدكتور أحمد عبدالعزيز الحداد كبير المفتين في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، الذي قال: بدأت دراستي النظامية في المدرسة الصولتية التي هي أعرق مدرسة نظامية عرفتها الحجاز خاصة والسعودية عامة، وكان يقول عنها الملك عبدالعزيز رحمه الله: هذه أزهر بلادي، لما فيها من منهج عظيم، حيث تدرس فيها الأمهات الست في الحديث، بالإضافة إلى موطأ مالك ومشكاة المصابيح ورياض الصالحين كدروس إضافية، وتدرس فيها أمهات كتب الفقه والأصول والنحو والصرف والأدب والبلاغة والمنطق والفلك والتاريخ والسيرة.

وكانت دراستي الجامعية في جامعة أم القرى التي درست فيها جميع المراحل من بكالوريوس وماجستير ودكتوراه.وعن ميزة الفترة التي قضاها في مكة لتلقي العلم يقول الدكتور أحمد الحداد: تلك المرحلة هي صفوة العمر، حيث قضيتها في ربوع الحرم ما بين عبادة الله تعالى من صلاة وصيام وحج واعتمار وطلب العلم، ولا يشغلنا عن ذلك كبير شغل ولا كثير علاقات أسرية أو اجتماعية، انما هو شغل العلم تحصيلاً وتأليفاً وبحثاً عن الكتب، وحضور مجالس العلم ومدارسته.

وكان معه هذا الحوار ابتدأناه بقضية أو ظاهرة تشغل بال الأسر بل وشغلت المفتين في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، وهي لماذا كثرت قضايا الطلاق في وقتنا الراهن؟*الجواب وبالله التوفيق: لكثرة قضايا الطلاق وتفشيه في المجتمع أسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية، قد لا تكون خافية على المهتمين والمتأملين للواقع الذي تعيشه الأسرة الإسلامية اليوم في المجتمع الخليجي والإماراتي على وجه الخصوص.

اما الأسباب الاجتماعية فهي تدخل كل من طرفي الزوجين في العلاقة الزوجية، فهذا يمثل في نظري وبحسب ما أرى وألمس 40% من الأسباب الاجتماعية للطلاق، ولو ان كلا من أهالي الزوج أو الزوجة لزموا الحياد وتركوا فرصة للزوجين للتفاهم وحل الخلافات التي قد تطرأ بينهما، والتي هي من شأن البشر، وغالبا ما تكون عادية جدا لو أنهم فعلوا ذلك لأراحوا واستراحوا، لاسيما والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه».

وقد يقول أهل كل منهما ان هذا يعنينا، وهذا خطأ في الفهم فان الزوجين بعد ان يقترنا لم يعد يعني أهليهما شييء إلا في الأمور الكبار التي لا حل لها سواهما وذلك اذا تفاقم الخلاف الذي يستدعي التحكيم من أجل الإصلاح أو الفراق، أما في صغار الأمور ومسائل الأسرة فإنها لا تعنيهم قطعياً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يسأل الرجل على ما ضرب أهله» اشارة إلى عدم تدخل الأسرة فيما لا يعنيها، اذ قد يكون لديهما من الاسرار مالا يمكن الاطلاع عليها، وسواء في ذلك الأقارب والاباعد.

ومن هذه الأسباب الاجتماعية العلاقات الأسرية بين العوائل التي قد تكون معول هدم فتاك للعلاقات الزوجية، بفعل التدخل غير المسؤول، أو التأثر بأخلاق الآخرين وعاداتهم والتي تعود بالسلب على العلاقات الزوجية، ولو ان كلا من الزوجين احترم نفسه وزوجه فلم يخالط من لا يجانسه فكراً أو عادة او جالسه ولم يتأثر به ولم ينقل مساويء الآخرين إلى بيئته لعاش الزوجان في وئام غير انه كما يقول الشاعر:

عدوى البليد إلى الجليد سريعة كالجمر يوضع في الرماد فيحرق

وكم من بيت أسري تهدم بنيانه بفعل هذه العلاقات الاجتماعية المشؤومة، فما يقدر بـ 30% من الأسباب الاجتماعية المؤدية للطلاق ناشئة عن هذا النوع من الأسباب و20% تعود لأسباب أخرى عادية أو بيئية، أو عملية أو منزلية. اما الأسباب الاقتصادية.. فهي كذلك من الكثرة بمكان، فكثير ما تؤدي الحالة الاقتصادية للزوج إلى نفور الزوجة أو إلى تفاقم المشكلات بينهما بسبب ضيق صدره في النقاش أو العتاب أو نحو ذلك،

حيث لا يتمالك حتى يطلق كرد فعل نفسي لتلك الحالة، وقد بادر بالطلاق لعجزه عن الانفاق أو تحقيق كل المطالب التي تتوالى عليه.. وهذه الحالة وان كانت في بعض صورها قد تكون شرعية، حيث ان المرأة في اعالته وكفالته وقوامته كما قال الله تعالى: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم» والمرأة بما هي حاسة نفسها له، لها الحق ان تقول: اما ان تتفق واما ان تطلق،

والشارع أعطاها هذا الحق عند العجز عن الانفاق حتى اذا لم يطلق طلق عنه القاضي الشرعي للإعسار الا انه ينبغي ان يكون هذا السبب معول هدم فتاك، فان ما بين الزوجين من أواصر المحبة اكبر من ان تعصف بهما رياح الفاقة والحاجة، واذا لم تصبر المرأة على سراء الرجل وضرائه فان اللوم عليه اذ لم يحسن اختيارها، ومن هنا اشار نبي الله إبراهيم على ابنه اسماعيل بطلاق تلك الزوجة التي تبرمت من ضيق العيش ولاواء الحياة،

وأمرها ان تخبره ان يغير عتبة بيته، كناية عنها وما ان أبلغته الرسالة حتى استجاب لذلك، وأبدله الله امرأة خيرا منها صابرة راضية، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أرادت نساؤه التوسع في الدنيا على خلاف ما اختاره الله تعالى له واختاره لنفسه، وعندئذ امره الله تعالى ان يسرح من لم تختر ذلك الحال

فقال له: (يا أيها النبي قل لأزواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحاً جميلاً، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً) وقد اخترن رضي الله تعالى عنهن كلهن، الله ورسوله والدار الآخرة، إلا واحدة منهن لم تلبث أن فارقها المصطفى صلى الله عليه وسلم لشقائها وعدم صلاحها أن تكون في بيت النبوة.

وهكذا ينبغي للزوجة الصالحة أن تصبر على زوجها وتختار الحال الذي اختاره الله تعالى له فإنه سبحانه مقسم الأرزاق، وليس عليه إلا الأخذ بالأسباب فلا ينبغي أن ترهقه بالمطالب، حتى لا يبادر إلى ما لا تحمد عقباه من الطلاق أو الكسب غير المشروع فيطعمها المحرم، فيهلكها ويهلك أولادها كما تهلك نفسها في الدنيا والآخرة، وقد كانت المرأة فيما سبق إذا خرج زوجها لطلب الرزق تمسك ثوبه وتقول: يا هذا اتقي الله تعالى ولا تطعمنا الحرام فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار، فأين نساء اليوم من هؤلاء النسوة؟

وهذه الظاهرة ألمس أنها تمثل 40% من أسباب الطلاق في المجتمع، في هذا الجانب، لاسيما بين الاخوة الوافدين، ومحدودي الدخل. وعلاج ذلك كامن فيما أسلفت من الصبر والمراقبة لله تعالى في النفس والأهل والولد.. أما الأسباب الثقافية أعني التفاوت المعرفي بين الزوجين فهي أيضاً أسباب مباشرة لتفكك عرى الزوجية، حيث قد لا يفهم أحدهما لغة الآخر ولا يتفهم ظروفه مما يؤدي إلى النفرة وعدم التحمل.. غير أن هذا السبب ليس وجيها لدى العقلاء،

ولا مبرراً أمام الناس، فإن كلا من الزوجين كان على دراية تامة بحال الآخر قبل الزواج، فكان على كل واحد أن يثبت على قرار الأول من الرضا، ولا يتبدل بعد أن أفضى بعضهما إلى بعض فذلك من العيب في حق الناكث لقراره واختياره، فإن رضاه بذلك الحال ينفي ضرره.

حوار: السيد الطنطاوي