مشهورة منذ زمن بعيد حكاية الرحلات التي قام بها الرحالة المستشرق الإنجليزي ريتشارد بورتون، الذي كان من أوائل مترجمي «ألف ليلة وليلة» إلى لغة شكسبير، ومن أوائل الذين غاصوا عميقا في تجوالهم في ديار العرب والمسلمين، ناهيك بتجواله في أدغال افريقيا. وها هو هنا يصف لنا وقفة وسط الصحراء في الطريق من ينبع إلى المدينة المنورة، التي دخلها حينها وتجول في الديار المقدسة متنكرا في زي وسمات شيخ أفغاني.

وسرنا طوال خمس ساعات في اتجاه الشمال الشرقي عبر واد مائل يمثل منطقة منفردة في عزلتها، هي عبارة عن كتل من تلال ضخمة وسهول جرداء وأودية صحراوية. لاحظت هنا أن أشجار السنط التي اشتهرت بقوة تحملها قد تساقطت. وفي بعض المواقع لم يجد الصبار الذي تأكله الجمال من التربة ما يكفيه ليمد جذوره. كان الطريق الذي نسلكه متعرجا بين الجبال والصخور وتلال الغرانيت،

ويمتد فوق أرض مشققة تحيطها كتل صخرية ضخمة مكونة بشكل يبدو معه وكانه فنان انسان قد تدخل فيها فساعد الطبيعة على تشويه نفسها. ولاحت هناك شقوق واسعة بدت كأنها ندب على وجه الأرض تعطي سطحها منظراً بشعاً. ولقد اتسعت هذه الشقوق في بعض المواقع لتتحول كهوفا مظلمة، تسدها من ناحية رمال تتلألأ جرفتها الرياح والسيول. وكان من الطبيعي ألا يرى المرء هنا طيرا أو أي حيوان، ولا يسمع لهما حساً،

ذلك أن وجود مثل هذه المخلوقات يشي عادة بوجود ماء. وهنا لا ماء ولا هم يحزنون. وعلى الرغم من أن رفاقي كانوا يعتقدون أن ثمة بدوا يختبئون متربصين بنا بين الصخور، قررت أنا أن هؤلاء البدو الذين يتصور وجودهم هنا ما هم في الحقيقة سوى أشباح من نتاج حال الرعب المنتشر داخل قلوب الرفاق.

إذا نظرنا هنا إلى أعلى، نجد السماء وقد بدت اشبه بقطعة صلب مصقولة طليت باللون الأزرق وانبعث منها وهج أصفر يبهر ضياؤه القوي، ساطعا علينا دون أن يمنعه هائل من سحاب. وإذا نظرنا إلى أسفل وجدنا دائرة ذات لون نحاسي تشوي وجوهنا وتعمي أبصارنا لفرط توهجها. وتقدم لنا ما يدفعنا السراب إلى اعتقاده ماء وهو هؤلاء لا أكثر.

بين العاشرة والحادية عشر ليلاً وصلنا إلى قرية صغيرة تتألف من عدد من المساكن. وهو مشهد لم أكن قد رأينا مثيلا له منذ غادر قرية المسهل. وعرفنا أن هذه القرية تدعى الحمرا ـ لاحمرار رمالها ـ ويقال لها كذلك الوسيطة لأنها تتوسط الطريق بين ينبع والمدينة المنورة... وبقينا قرابة الساعة نحن نبحث عن مكان نخيم فيه لأن اهل القرية لم يبدوا أي ود تجاهنا فشوشوا علينا طالبين منا ألا نخيم في أية قطعة مستوية من الأرض.

المهم أننا وجدنا أخيراً بقعة مناسبة.. بعد مشاحنات كثيرة. فأنزلنا أحمال الإبل والصناديق وبقية الأمتعة على شكل دائرة وافترش رفاقي سجاجيدهم وناموا فوق أمتعتهم القيمة. فحذوت حذوهم، أنا الذي كنت متنكراً في زي وهيئة شيخ أفغاني، لكن الازعاج سرعان ما طغى فابتعدت عنهم وهم مدهوشون من هذا الشيخ الأفغاني وعناده في ابتعاده عن دائرة الأمان من تحذيراتهم،

أما أنا فإنني كاستجابة من تحذيراتهم من مخاطر، وضعت سيفي المعقوف إلى جانبي، وحشوت مسدسي واضعا إياه تحت الوسادة، ما مكنني من أن أنام مطمئنا نوما عميقا تواصل حتى طلوع النهار. استيقظت فجر اليوم التالي، وكان أول ما فعلته أن زرت القرية المقامة فوق رف صخري ضيق عند قمة جبل شديد الانحدار في اتجاه الشمال.

أما إلى الجنوب فيجري من قمة التل مسيل رملي لا يقل عرضه عن نصف الميل. ومن هنا يجد المرء نفسه بسرعة إزاء تجاويف يعتبرها العرب مواقع مختارة لإقامة المستقرات.. والمسيل في هذا الجوار متعرج جداً، يشق الأرض المرتفعة هابطاً من هضبة المدينة المنورة.. وهو أثناء موسم الأمطار يصبح ممر سيل عارماً يندفع إلى البحر الأحمر. والحقيقة أن في إمكان الراغب أن يحصل على ماء طازج في هذا المكان بالحفر بضعة أقدام عند الزوايا حيث يشكل ماء السيل أعمق الفجوات..

والحمراء، في حد ذاتها، ليست أكثر من مجموعة صغيرة من المنازل المنعزلة.. بل أقرب إلى الصحة أنها مجموعة من الأكواخ المسقوفة المشيدة بطوب اللبن والطين ارتفعت عليها جرائد النخيل، وبها طاقات تسمح بدخول الهواء. وبعض الأكواخ يتميز بوجود قطعة من الخشب تغلق وتفتح، على شكل باب. وتبدو الحمراء كثيفة السكان، حيث توجد لها أسوار. لكنها ـ مثل غيرها من القرى والدساكر ـ تسودها صنوف الخراب.

أما المؤن هنا فرخيصة الثمن، على عكس حالها في المدينة المنورة، وهذا ما جعل أحد رفاقنا (سعد العملاق) يحمل جمله البائس تحميلاً زائداً بأجوال القمح. وفي الحمراء دكاكين عدة يمكن للمرء أن يشتري الظلال منها، مثل نبات لسان الحمل أو موز الهند الكبير الحجم والخبز والرز والسمن وغير ذلك مما هو صالح للأكل. وتمد بساتين النخيل الفسيحة هذه القرية بالتمور.

أمل السوق هنا- كما هي الحال في مثل هذه القرى ـ عبارة عن زفاف طويل مغطى بالحصير هنا، مكشوف للشمس هناك. والطرق الضيقة معبدة بالتراب ومعرضة لوهج الشمس. وفي الغرب من مكان تخييم القافلة توجد قلعة برأسها القائد العسكري الذي يتزعم خيالة ألبان يقع عليهم عبء الدفاع عن القرية وضبط النظام وحماية القوافل العابرة. ويتكون مبنى القلعة من حجارة منحوتة، تملأها كوات لإطلاق رصاص البنادق حين يحتاج الأمر.

كان اليوم الذي أمضيناه للراحة في الحمراء يوما لا راحة فيه إطلاقاً.. ولفت أنظارنا منظر الرعاة يرعون قطعانا كبيرة من الخراف والماعز داخلين إلى القرية خارجين منها.. وبدوا لنا أجلافاً قساة، فهم لم يعطونا لبنا حتى مقابل الخبز واللحم. كذلك أمضيناً جزءاً من النهار ونحن نرصد البدو حاملين بنادقهم يتسلقون التلال محاولين اصطياد طيور الكراكي، دون أن يفلحوا في اصطياد ولو طيرا منها،

رغم الطلقات العديدة التي أطلقت.. ما يتناقض مع ما يروى عن براعتهم في الرماية. وقبل الافطار اشتريت أنا خروفا متوسط الحجم بدولار واحد.. وعلى الفور حلل لي ذبحه الشيخ حامد، ثم انصرف الرفاق لإعداد افطار من اللحم المسلوق. بيد أن الخروف سرعان ما أضحى سببا للنزاع، لأن الولد محمد باع رأسه لأحد البدو بثلاثة قروش فهاج الآخرون لضياع نصيبهم في الصفقة.

بشكل ما، كانت الحمراء المحطة الثالثة في الطريق إلى المدينة المنورة، تلك الطريق التي تسمى عادة بـ «الدرب السلطاني»®. والخط الغربي لهذه الطريق يؤدي إلى مكة المكرمة ان اتبع على طول ساحل البحر. وإذا أذن اللصوص المنتشرون بذلك، فإن الحجاج عادة يفضلون هذه الطريق لاعتدال المناخ هنا وتيسر المساء والمغرب من البحر ثم خاصة لمرورها بموقع «بدر» الذي كان شهد غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم) في السنة الثانية للهجرة.

وبعد منتصف ذلك النهار الوحيد الذي أمضيناه في الحمراء وصلت من مكة المكرمة قافلة بدا المسافرون فيها حريصين على اصطحاب حراس معهم، مواصلين طريقهم بسرعة إلى المدينة. ولقد ملأنا وصول هذه القافلة سرورا واطمئنان فنهضنا من فورنا إلى حث جمالنا اللاهثة وتحميلها واستنهاض همم رجالنا،

بحيث أنه لما تجاوزت الساعة الرابعة عصرا حتى كنا نحث الركب لحاقاً بالمكيين الذين كانوا يتأهبون للسير عند الجانب الآخر من المسيل. وما أن مضت ساعة حتى كنا جميعا نسير في طريقنا، والفرح يغمر بعض رفاقنا من الذين وجدوا في القافلة الأخرى معارف لهم وأقرباء.