أكثر ما يلفت الانتباه في مقهى الفيشاوي الشهير خلال شهر رمضان هو ذلك الزحام المتواصل والروح الشعبية النادرة التي تحيط المكان، رائحة البخور وصوت الموسيقى والسبح المنتشرة مع الباعة الجائلين بعد الافطار وحتى طلوع الفجر تجعل له خصوصية وتفرد عن شتى مقاهي القاهرة التي تجاوز عددها 15 الف مقهى فالسهرة في مقهى الفيشاوي العريق لها طعم خاص.

وبريق يجذب إليها الزبائن من كل مكان على أرض المعمورة بحثاً عن متعة إضافية في ليالي رمضان الجميلة، اما الشهرة التي حققها المقهى على مدار اكثر من 150 عاما لملتقى رجال الفكر والثقافة والسياسة والفن فقد خلقت نوعاً من حب الاستطلاع للتعرف على هذا المكان وخاصة لدى الشباب.

فالمقهى الذي كان يوماً ما يجمع بين توفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل والعقاد ونجيب محفوظ تحول إلى مزار سياحي للمصريين والاجانب على حد سواء بعد ان ذاع صيته على المستويين المحلي والعالمي، وقد اشتهر المقهى على مدار سنوات طويلة بالشاي الأخضر الذي يميزه عن بقية مقاهي القاهرة.

كما اشتهر بتقديم أنواع مختلفة من المشروبات الساخنة مثل حمص الشام والسحلب بالمكسرات والقرفة والكركديه والزنجبيل والتمر هندي بجانب الشيشة العجمي والنارجيلة اللبنانية مع الشيشة المصرية العادية ومعسل التفاح والفواكه.

وبالإضافة للمشروبات المميزة والجو الساحر الذي يغلف المكان فإن مقهى الفيشاوي يعد أقدم مقاهي القاهرة وأهمها على الاطلاق فقد اقامه الفيشاوي الكبير خلف المشهد الحسيني أواخر القرن الثامن عشر، وتحديداً في يونيو عام 1773، ومنذ ان شيده حتى الآن كان الشاي الاخضر ولا يزال هو اشهر المشروبات التي يقدمها للزبائن .

ويتميز المقهي باللوحات الزيتية والبراويز الضخمة والمرايا وهو نفس الطراز الذي انشيء عليه وتزين المقهى قناديل مصابيح قديمة فريدة من نوعها وتصدر المقهى صورة للفيشاوي الكبير مؤسس المقهى وهو يمتطي حصانه الابيض وقد ارتبط مقهى الفيشاوي منذ أوائل القرن التاسع عشر بالأدباء والفنانين والشعراء ولعل اشهرهم هو نجيب محفوظ أديب نوبل الذي قال عن المقهى انك تستطيع

وانت جالس عليه ان تراقب الاحداث وتسمع الجديد من الناس فتوصل إلى جمهورك وقرائك ما لم تستطع إيصاله إليهم بالكتابة، ومقهى الفيشاوي له زبائنه طوال العام لكنك في شهر رمضان لن تجد لنفسك مقعداً أو موضع قدم من شدة الزحام ويكتفي اغلب رواد حي الحسين احيانا بمجرد الوصول إلى المقهى والاستمتاع بعبقرية المكان وعبق التاريخ الذي تنطق به جدرانه، ومع ان المقهى لم يسجل حتى الآن كأثر رغم مرور اكثر من 150 سنة على إنشائه.

إلا أن كل شيء فيه يناطح التاريخ من الثريات الشرقية والقناديل والمرايا البلجيكية الضخمة ذات الأطر المزينة بالزخارف الإسلامية، وداخل قاعات المقهى المتعددة، وأمام ابوابه الضخمة يظل المرء يتأمل كل كبيرة وصغيرة في هذا المكان الذي ينطق بسحر خاص لا يضاهيه اي مقهى آخر لا في حي الحسين ولا خارجه وربما يكون هذا ما جعله قبلة السياح العرب والاجانب المترددين على منطقة الحسين ورواده من المصريين ايضاً.

ويتضاعف الإحساس بسحر المكان خلال الشهر الكريم الذي يتواصل فيه الليل بالنهار وتزيد المتعة بوجود بعض الفنانين التلقائيين الذي يجدون في زبائن الفيشاوي جمهوراً خاصاً يتذوق فنونهم، فهناك تجد اكثر من فنان يمسك بعوده ويشدوا بأروع الاغاني ويعزف أجمل الألحان، ووسط الزحام تجد الحاج ضياء حفيد الفيشاوي واقفاً يرقب حركة عمال المقهى الذين يزيدون على العشرين في هذا الموسم وقد اكد ان مقهى الفيشاوي ليس عادياً ولكنه جزء من تاريخ المكان.

ولذلك فقد حافظت الاجيال من ورثة الفيشاوي على نفس الطراز والديكورات القديمة ويشير إلى أن كثيراً من الوزراء العرب والسفراء وكبار الادباء مازالوا يترددون على المقهى في ساعات متأخرة من الليل ويستمتعون بمشروباتنا المتميزة وخاصة الشاي الاخضر والكركديه ويضيف ان ارتباط المقهى بكبار الادباء امثال الحكيم وهيكل ومحفوظ والغيطاني زاد من شهرة المقهى وجعله جزءاً من تاريخ حي الحسين العريق.

ويضيف الحاج ضياء ان المقهى كان ولا يزال مصدرا للبهجة لكل رواده، وتزداد المتعة في المقهى خلال شهر رمضان الكريم، وهذه هي الروح التي حافظنا عليها دائماً، فما إن تذكر مباهج رمضان وسهراته الممتعه حتى يذكر معها مقهى الفيشاوي، وليس صحيحاً ان شهرة المقهى ترجع إلى الشاي الأخضر والشيشة فقط وإنما شهرته الاكبر ترجع إلى أسلوب السهر فيه، فرغم انه كان ملتقى للمثقفين والادباء.

إلا انه ايضا كان في شهر رمضان سهرة يومية يحييها بطلا الفكاهة سلطان الجزار والفار وهما من نجوم الفكاهة الاذاعية في الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وكان الرجلان يلقيان النكات من بعد صلاة العشاء وحتى موعد السحور ويدخلان معاً في قافية تستمر ساعات.

وكان جمهور الحاضرين هو الذي يقترح عليهما مادة معينة للضحك كالزواج أو الطلاق فيبدأ كل منهما في ارتجال النكات والمواقف التي كانت تميزهما عن غيرهما من نجوم الكوميديا كما كانت اسلوبا راقيا من أساليب النقد الاجتماعي.

وينفرد المقهى بأنه أول مقهى بالقاهرة ترتاده النساء التقدميات من اهل الثقافة والأدب فقد كانت سهرات الفيشاوي في ذلك الوقت متنفساً للرواد من كافة انحاء القاهرة ومتعة للسياح الأجانب.

القاهرة ـ محمد هشام