هو الإمام أبو محمد عبدالحق بن الفقيه الإمام الحافظ أبي بكر غالب بن عبدالرحمن بن غالب بن عبدالرؤوف بن تمام بن خالد بن عطية ـ وهو الداخل إلى الأندلس ـ ابن خالد بن خفاف بن أسلم بن مكرم المحاربي من ولد زيد بن محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان (بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان) من أهل غرناطة؛ ولكنه عربي الأصل من قبيلة عدنان.

وكانت نشأته في غرناطة في أسرة علمية دينية ساعدت على إرواء بذرة العلم في سويداء نفسه، فتهيأت له أسباب النبوغ العلمي، إذ كان أبوه هو الإمام العلامة أبو بكر غالب بن عطية المولود سنة 441هـ والمتوفى سنة 518 ه. وسجل المؤرخون الكثير من صفات النجابة في الولد، بعد الوالد، فقال الفتح بن خاقان عن الولد، وهو موضوعنا: «فتى العمر، كهل العلاء، حديث السن، قديم السناء، لبس الجلالة برداً ضافياً، وورد ماء الأصالة صافياً،

وأوضح للفضل رسماً عافياً، وثنى من ذهنه للأغراض فننا قصدا، وجعل فهمه شهاباً رصداً؛ سما إلى رتب الكهول صغيرا، وشن كتيبة ذهنه على العلوم مغيرا، فسباها معنى وفضلاً وحواها فرعاً وأصلاً، وله أدب يسيل رضراضاً، ويستحيل ألفاظاً مبتدعة وأغراضا».

وهكذا نجد لابن عطية سبقاً في آفاق العلم وفنونه، لاسيما فيما يتصل بعلوم الدين والحق، دعت إلى ذلك النشأة الدينية الفائقة، التي هُيئت له، في جوار أسرته، وأولها أبوه، فقد قال الضبي: «قال لي أبو القاسم ـ رحمه الله ـ كان الفقيه أبوبكر غالب بن عبدالرحمن ربما أيقظ ابنه أبا محمد عبدالحق في الليلة مرتين يقول له: قم يا بني اكتب كذا وكذا في موضع كذا من تفسيرك له فيه نكت كثيرة» (بغية الملتمس).

ومن هنا نلمس صادق الرعاية والتوجيه من الوالد للولد، وحفاظه على سلامة السبق ومقام الإمامة، حتى إنه ليوصي عليه أئمة عصره حتى يخرج على أيديهم ويجيزوه بمروياتهم، ومنهم أبوجعفر القليعي، الذي يقول فيه ابن عطية ذاته: «أجاز لي جميع ما رواه بسؤال أبي إياه ذلك وبحضرتي»، علما بأنه آنذاك لم يكن يتجاوز العشرين، وأثبت المؤرخون انه تلقى عن: أبي علي الغساني، ومحمد بن فرج مولى ابن الطلاع، وأبا الحسن علي بن أحمد الباذش، وعبدالله بن أيوب بن تمام أبو القاسم الأنصاري المالقي، وغيرهم.

كما أثبتوا أيضاً من روى عنه وأخذ عنه، كأبي جعفر بن مضاء، وأبي القاسم بن حبيش، وعبدالمنعم بن الفرس، واحمد بن محمد الأنصاري، والحسن بن علي بن هشام الغرناطي، ومحمد بن جعفر الأنصاري المرسي البلنسي، ومحمد بن خير أبوبكر الاشبيلي، وعبدالله بن طلحة بن أحمد بن عبدالرحمن بن عطية المحاربي الغرناطي، وأحمد بن طلحة بن أبي بكر محمد بن أحمد بن طاهر وغيرهم.

ولا يخفى على منصف تعرض لعلوم القرآن وأخصها التفسير، أن يتبين قيمة ابن عطية بين علماء التفسير، وإمامته المحمودة بين جمهورهم، فإن التفسير في عصر الصحابة كان على غير ما كان في عصر ابن عطية، بل كان خضماً زاخراً، إذ صار كل من سنح له قول يورده، ومن خطر بباله شيء يعتمد عليه،

بينما كان في عصر الصحابة عنواناً على الالتزام بالنقل، عن الرسول صلى الله عليه وسلم نقلاً يمتاز بالوعي والفهم بجانب الصدق المصحوب بالاقتناع بكل ما ينقلونه، ومن هنا أدركوا كثيراً مما يتعلق بآيات الله من أسباب النزول، ومن الناسخ والمنسوخ، ولم يرتبطوا بغير ذلك إلا نادراً لأنهم عرب على علم ودراية بألفاظ اللغة ومراميها فليسوا في حاجة إلى توسيع دائرة التفسير

كما حدث في فترات الضعف اللغوي، والذي احتاج إلى شروح لغوية وتخريجات كثيرة، كانوا في غنى عنها بطبيعتهم، وهم ليسوا في حاجة إلى دراسة الأحكام عن طريق نصوص القرآن اعتماداً على ما تلقونه من الرسول، ومن هنا كان تفسير القرآن يسير في نطاق ضيق قد تفرضه الظروف عليهم؛ خصوصاً أن هناك أقواماً أبعد منهم قد دخلوا الإسلام، ولهم استفساراتهم حول القرآن.

ولما جاء التابعون ونقلوا عن الصحابة وأسندوا كل ما نقلوه بدقة وأمانة، ثم جاء بعدهم تابعو التابعين فساروا خلفهم وتمسكوا بنهجهم. حتى جاء العصر الذي اضطربت فيه مسألة الإسناد وأدخل عليها النقص والإهمال والاختلاق، وأصبح التفسير ملعباً للأهواء وساحة لتضارب الآراء، مما دعا بعض العلماء إلى القول بأن علم التفسير والملاحم والتاريخ لا أصل له.

غير أن الأثبات من العلماء، فصلوا القول ولم يعمموه، وفرقوا بين التفسير المسند بالحق، والتفسير القائم على الهوى والخاطر، أو التفسير الذي يخدم القرآن والتفسير الذي يسيء إلى القرآن، وقد قال ابن خلدون: «والتفسير صنفان: نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومقاصد الآي، وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين، وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا،

إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى؛

وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها: أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبدالله بن سلام وأمثالهم.

فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخباراً موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى عنها في الصحة، التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتبهم بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بَعُدَ صيتهم وعَظُمتْ أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ».

فكان من فضل الله على الأمة أن قيض لها من أعاد للإسناد دوره وللتفسير مقامه، ومن أولئك الجهابذة الإمام ابن عطية الغرناطي، فقال ابن خلدون: «فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد عبدالحق بن عطية من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس، حسن المنحى؛ وتبعه القرطبي في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب مشهور آخر بالمشرق».

ولذلك حظي تفسير ابن عطية بتقدير الأثبات من المحققين، والحق أني قدرت هذا التفسير قبل أن أراه مطبوعاً ضمن مطبوعات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وذلك من ثناء الإمام ابن تيمية رضي الله عنه، وشكر له دقته وأمانته في أحكامه عليه في مقدمة في علوم التفسير أو قاعدة مهمة في علوم التفسير قال: «وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلاً وبحثاً، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير».

وكذلك أبو حيان التوحيدي الأندلسي المصري صاحب «البحر المحيط» قال عن ابن عطية: «هو أجل من صنف في علم التفسير وأفضل من تعرض للتنقيح والتحرير».وفي نفح الطيب عن غصن الأندلس الرطيب للشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني: «وألف كتابه الوجيز في التفسير فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيته كل مطار».

وفي بغية الوعاة للسيوطي: «وألف تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها». وقال الضبي في بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس: «ألف ابن عطية في التفسير كتاباً ضخماً أربى فيه على كل ما تقدم أو من تقدم».

وهكذا أجمع المحققون من العلماء بعد ابن عطية على تقدير جهده في تخليص التفسير من شوائب علقت به فترة، وفي إتاحة الفرص لمن جاء بعده بالتماس نفس الهدف، ومن الواضح أن أعمال القرطبي وأبي حيان وابن كثير ومن قبلهم ابن تيمية فيما خلف من انتقادات، من أهم الأعمال التي جاءت بعده، تلتزم بمنهج النقد والانتقاء والتمحيص، ولاشك أن ابن عطية كان قد سبقته محاولات، لكنها لم تصل إلى الاكتمال، كابن جرير الطبري، الذي كان كتابه من أجل كتب التفسير بالمأثور وأصحها وأجمعها لما ورد عن الصحابة والتابعين، ثم يترك ذلك للقارئ.

أما ابن عطية فقد انتهج لنفسه أن يختار أصح ما يرى ويرفض باختياره ما لا يتفق مع العقل، ولا يقبل وروده عن ثقة عاقل.. إذا كان تفسيره يتضمن النقول الخاصة عن غير المسلمين، فضلاً عنه كونه لا ينظر بعين الاعتبار مطلقاً إلى قول يتعارض مع نصوص القرآن أو المعروف من لغة العرب. قال السيوطي: رأيت في تفسير قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) نحو عشرة أقوال مع أن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى.

ولا نلمح في تفسير ابن عطية غير قول واحد، هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم دون سواه. فقال بعد ذكر ما يتعلق بالآية من اللغة والقراءات: والمغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى، هكذا قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والسدى وابن زيد وروى ذلك ابن حاتم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك بين كتاب الله تعالى لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فيه كقوله: (وباءوا بغضب من الله).

وكقوله تعالى: (قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير).. فهؤلاء اليهود بدلالة قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين).. الخ (ص 130 من المحرر الوجيز) وهكذا يذكر ما يميل إليه،

ويتخذ من منحى من سبقه من مفسري المأثور موافقاً له، ثم يورد أصح الأثر، ثم يقطع الطريق على المتقولين بنصوص القرآن التي هي مفسرة لبعضها، فيلزم الجميع الحجة. وهكذا لا يخون القرآن فيضفي بين دفتيه ما ليس من عالمه أو لا يليق به، ويحترم العقول فلا يعتد بحديث خرافة وإن لبس مسوح الأديان، شكر الله له وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.

علي عيد