الخروج إلى الصحراء يعيد إلى الأذهان تلك الحياة البدوية الصارمة التي أطرت سلوك الناس وعاداتهم، ومنحتهم صلابة وقوة لا يمتلكها أبناء المدن الحديثة وربما لا يعرف بعضهم عنها شيئاً، توجهنا هذه المرة نحو «وشاح» إحدى قرى الذيد في إمارة الشارقة لنستطلع معالم المكان وأهله.

فكان المشهد الأول يتمثل بتلال الرمل التي تعلو وتهبط كوشاح في مهب الريح، ويأتي المشهد الآخر لمساكن الناس المرتفعة والمتألقة ببياض رائق، وخلفها ترتسم لوحة أخرى لبساتين نخل غناء تنفي التصحر عن المكان، وتؤكد أن الأرض كريمة تعطي من خيراتها وتثمر إذا ما اهتم بها الإنسان.هكذا كانت زيارتنا إلى المنطقة وفي استقبالنا الحاج عبيد بن راشد بن غرير الذي تميز بالطيبة الشديدة والاهتمام بالحكايات والقصص التراثية، وقد بدأ حديثاً عن سبب تسمية المنطقة بهذا الاسم فقال: هناك آراء مختلفة في سبب التسمية منها لأنها مليئة بعراقيب الرمل التي ترتفع وتهبط فيراها القادم من بعيد وكأنها وشاحاً.

ومنها الرأي الآخر لأنها تقع في طرف الوادي، فتكون كأنها وشاح له، وقد عاش في هذه المنطقة ناس كثيرون كانت مساكنهم في بيوت الشعر وعرشان السعف وهذه الصحراء لم تكن جرداء فقد كان فيها الغاف والسمر وفيها من كل عود والوديان تجري تحت العرقوب حيث تحيط بها من كل جانب مثل وادي كدرة ووادي مليحة الذي يمر شمال وشاح ووادي المنهدم، وقد كان هناك طوي يسمى طوي «وشاح» يشرب الناس منه ويسقون مواشيهم وإبلهم، وقد كانت البيوت في الصيف عرشان سعف وفي الشتاء بيوت الشعر التي تصنعها النساء، ومنذ ستة وعشرين عاماً بنيت الشعبية القديمة فاستقرت الناس في المنطقة، ومنذ حوالي خمس سنوات بنيت الشعبية الجديدة والحمد لله لدينا الآن البيوت الحديثة والكهرباء والماء وكل الخدمات فضلاً عن المزارع التي أقيمت قرب البيوت .

حيث يخرج الشواب في الصباح إلى مزارعهم وعزبهم بالسيارات التي لم يعرفوها في السابق، فأول سيارة شاهدناها كانت «مركاتو» صغيرة وتعطلت في آخر وشاح فسحبوها بالركاب حتى أوصلوها إلى رأس الخيمة وأصلحوها هناك، وكانت هناك سيارة عند أحد الشيوخ نسمع عنها ثم جاءت السيارة التي تحمل الحصا والدعون والحطب والتمر، وكان طريقهم على فلي ووادي القور.

ولم يكن هناك سوى شارع واحد هو شارع الحويلات، وكان الناس بسطاء ويعيشون على الفطرة فإذا جاءت الطائرة خافوا منها، لأنهم لا يعرفون عنها شيئاً ولا يدرون ما هي.قبل أن نكمل الحديث مع الحاج عبيد بن راشد خرجنا نحو مجلس الوالد مطر بن عبيد بن دلموك ليزيد الحديث ثراء بوجود أهل الزمن الجميل يتحدثون عنه وعن تفصيلاته لذا شربنا قهوة ابن دلموك وبدأنا نتحدث معه عن الماضي .

فقال: «الأول الزمان ضعيف، وكانت عيشتنا ضنكة، وكنا نكد ركاب ونصنع الصخام ونبيعه في دبي والشارقة ونسكن في بيوت الشعر ففي الماضي «ما شي بيوت» وإنما كنا نعيش حياة البداوة ولا نعرف أحداً من الدول الأخرى، فالجميع من قبائل الدولة وكل قبيلة تسكن في أماكن معروفة، وكانت عيشتنا على الحلال من الغنم والبقر والبوش، وكذلك صيد الظباء والأرانب والحبارى، والأرانب وهي موجودة بكثرة آنذاك فنقضي منها كما نشاء ونقتل الذئاب والضباع.

وكنا نستخرج الماء من الطوي بالدلو فنسقي منه الغنم والبوش والهوش وطعامنا من التمر والقهوة، والنساء تطحن حبوب البر وتصنع القرص، وحياتنا تتبع الكلأ والماء، وكان الماضي فيه قوة وصحة، فالشيبة يسرح من وشاح حتى الشارقة من دون أن يتعب ولا نعرف الضغط والسكري، واليوم تجد الأمراض كثرت علينا فقد ذهب سمعي منذ عشر سنوات وقد سرت الهند للعلاج ولم ينفع وقالوا لي عروق الأذن «خربانة».

* علاج بلا أطباء

وعن العلاج في الماضي يتحدث ابن دلموك قائلاً: كان علاج الناس بالأعشاب والدسم، ولا يوجد أطباء مثل اليوم، فهناك كبار السن الذين يعرفون الأمراض ويعطون علاجها مع التوكل على الله سبحانه وتعالى، وأنا أصنع الأثمد لعيني لأنه ينظف العين ويخفف آلامها، وأضع الحناء لرجلي لأنها تبرد القدم وتقويها وتحميها من حرارة الرمال، وهذه الأشياء عرفناها منذ زمن قديم.

ويتحدث ابن دلموك عن مهور النساء وزواجهن فيقول: «صباحة الحرمة ناقة أو عشرين روبية «الحين تبا ميتين ألف والا ثلاثمئة» وكانت المرأة عوناً لزوجها في السراء والضراء تتحمل معه الظروف الصعبة وتقوم بالأعمال المختلفة فهي تطحن وتروي وتسدي وترعى الحلال وتجلب الحطب وتقوم بواجبات بيتها».

وحول حياة الناس في مواسم القيظ قائلاً: كنا نقيظ في شوكة والسيجي، فنذهب في مواسم الرطب، وفي الشتاء ينمو العشب ويسيل الوادي فنعود إلى أرضنا، وقد كنا في ذلك الوقت نشتري جونية العيش بسبع روبيات، ومن التمر البصري بروبية ونصف ومن القهوة بروبية ونصف والذبيحة بروبية وربع وكانت النقود قليلة وكلها من الفضة، وعندما جاءت الحرب العالمية الثانية قل علينا العيش والطحين والقهوة وكان الشيوخ يخصصون للرجل «منين» من الشعير وقد أصابت الناس مجاعة لمدة ثلاث سنوات وصار غلاء كبير فقد «بندت» البواخر وانقطع الطريق.

* رمضان

ويأتي حديث رمضان فيقول الوالد مطر بن دلموك: كنا نصوم رمضان عندما يهل الهلال ونعتمد على الشوف وفي الماضي «ما شي مساجد» وكان المطاوعة في المنطقة هما: راشد بن سعيد وسيف بن مجرن وكانا يصلين بنا العيد والجمعة، ومطوع مسجد الذيد هو عبد الله المزروعي.

ويتحدث الحاج عبيد بن راشد عن رمضان في الماضي فيقول: كان الرجال يتجمعون ويعملون «حضيرة» في وسط الفريج ويفطرون رباعة ويصلون التراويح، وكان راشد بن سعيد يصلي بالناس ويؤذن، فقبل الفجر ينادي للسحور ونتوكل على الله وننوي الصوم بعد أن نأكل ما قسم الله، وكان جدي مطر بن غرير رحمه الله قد ذهب إلى الحج على بعير، وكان الناس يتعلمون من أجدادهم قراءة القرآن ويحفظون ما تيسر لهم.

وكنا نزكي بالغنم ونعطي عن كل أربعين رأس واحدة، ونزكي عن البوش كذلك، ولم يكن لدينا فلوس في ذلك الزمان ولكن الناس كانت متآلفة وتساعد بعضها بعضاً، وتتزاور، والرحمة موجودة بينهم، ولم يكن طعامهم في رمضان يختلف عن باقي الأيام، فقد كان التمر والخبز الأساس وأحياناً يطبخون العيش واللحم أو الفريد ولا تتوقف أعمالهم في رمضان ولكن عند ارتفاع الشمس وشدة الحر.

يتلحف الرجل بردائه بعد أن يبلله وينام في العريش أو تحت شجرة سمر فلم يكن الناس يعرفون المراوح أو المكيفات، بينما تجد رمضان اليوم برحمة ونعمة فالتبريد في كل مكان في البيت والسيارة والسوق ولا نجد فيه تعباً كما كان في الماضي، لكن الناس لا تجتمع كأيام زمان ولا يسألون كثيراً عن بعضهم، لكننا نحن الشواب ما زلنا نتزاور ونتحدث عن حياتنا الماضية ونتفقد إخواننا وأهلنا إذا غابوا عنا.

يقال إن وشاح في الماضي كانت أرضاً خضراء لا ترى فيها الناقة من كثرة العشب، واليوم نرى وجهاً جميلاً آخر للمنطقة فقد اجتمعت خضرة المزارع مع بياض البيوت وحمرة الرمل لتشكل لوحة لونية مكتظة بالحياة تسعد الناظر وترضي ساكني تلك الأرض.

استطلاع: دلال جويد