إذا كان كتاب «الإمتاع والمؤانسة» يعتبر الأشهر بين مؤلفات أبي حيان التوحيدي (عاش بين العقد الثاني من القرن الرابع والعقد الأول من العام الذي يليه)، فان كتابه الشبيه بهذا، وهو «المقابسات» هو الكتاب الذي حير المفكرين ودفعهم إلى كتابة البحوث والدراسات عنه.. مختلفين فيه وفي أسباب كتابته، بل حتى في ما إذا كانت مواضيعه حقيقية أم أن التوحيدي اخترعها اختراعا لتكون وصيته الفكرية في أيامه الأخيرة.
هما كتابان لأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء أبي حيان التوحيدي، اشتهر كل منهما على طريقته، وكتب كل منهما في زمن يختلف عن الآخر، ومع هذا نجدهما متشابهين وأحيانا متطابقين ولكن في بعض الأحيان متكاملين قد يفسر ثانيهما الأول ويستطرد. الأول هو «الإمتاع والمؤانسة» والثاني «المقابسات».
على رغم هذا كله يكمن بينهما فارق كبير يمكن تلخيصه بان الأول كتب يوم كان مؤلفه لا يزال على حماسته الفكرية متطلعا بألق إلى ما يدور من حوله، راغبا حقا في أن يكون جزءا أساسيا من حياة أدبية وفكرية يصفها في كتابه الأول «الإمتاع والمؤانسة»، وان الثاني أشبه بوصية فكرية بائسة وحزينة، يدمجها قلم يحس انه يعيش أخر أيامه بائسا يردد أن كل ما عاشه لم يعن له شيئا ولم يبدل في أفكار الناس.
ومن هنا النظرة المزدوجة إلى كتاب «المقابسات» الأخير هذا، نظرة تقول إلى انه لا يتضمن سردا لجلسات فكرية سجالية حقيقية كانت تدور بين مفكري بغداد، على غرار ما هو الأمر في «الإمتاع والمؤانسة»، حيث أن أبا حيان إنما اخترع الجلسات اختراعا، لمجرد الاستجابة لطلب عين كبير من أعيان الدولة، استجابة مترددة متلكئة.
ونظرة تقول: بلى... إنها جلسات حقيقية صاغها التوحيدي حقا لكنه كان قلقا بالحياة والناس، فركز فيها، مما سمع وعاش من مساجلات على ما يتناسب مع حاله العامة. من يوصي بالنظرة الأولى هو عبد الرزاق محي الدين، الذي كان من أوائل معاصرينا الذين درسوا فكر التوحيدي وأعماله بعمق. ومن يعبر أفضل تعبير عن النظرة الثانية إنما هو شكيب ارسلان في كتابه «أمراء البيان».
ومهما يكن من أمر فان «المقابسات» حاضر دائما ليدعم شيئا من كلتا النظرتين، ولكن أيضا ليضع نصب أعيننا على لسان صاحبه نفسه حاله الذهنية وهو يكتبه إذ يقول التوحيدي في تقديمه للمقابسات «اني نقلت هذا الكتاب والدنيا في عيني مسودة، وأبواب الخير دوني منسدة، لثقل المؤونة ولقلة المعونة ونقد المؤنس وعثار القدم بعد القدم، وانتشار الحال بعد الحال.
هذا مع ضعف الركن واشتعال الشيب وخمود النار وأفول شمس الحياة وسقوط نجم العمر وقلة حصول الزاد وقرب يوم الرحيل... وهذا كله جرى في مجالس مختلفة من مشايخ الوقت بمدينة السلام...». واضح هنا إذا، إن التوحيدي إذ يصف حاله حين صياغة هذا الكتاب، إنما يكتب متشائما مودعا، لا مقبلا على الحياة والفكر.
وواضح أنهم كانوا محقين كل أولئك الباحثين الذين استنتجوا بان التوحيدي وضع «المقابسات» في مرحلة متأخرة من عمره، ما يعني مثلا أن نصوص الكتاب إنما هي نوع من التلخيص لأفكاره الأخلاقية والفلسفية والأدبية، فيما يرى عبد الرزاق محي الدين احتمال «أن يكون التوحيدي قد اصطنع الحوارات جميعها على لسان فلاسفة عصره، مع أنها من وحي خاطرة وبنات أفكاره».
فما هو كتاب المقابسات على ضوء هذا كله؟ بكل بساطة هو سرد حي وعميق للمستوى الفكري الذي كان سائدا خلال العقود الأخيرة من حياة التوحيدي... بالنظر إلى أن المؤلف يورد أسماء عدد كبير من مثقفي تلك الحقبة من الذين شاركوا في السجالات والنقاشات التي يذكرها، فهناك السامري والمصري والعوفي والصوفي وغلام زحل.
وهناك ابن عبدان والحراني، وصولا طبعا إلى أبي سعيد السيراني وبشر بن أبي متى (وتقول عن هذين «طبعا» لان المناظرة بينهما والتي نقلها التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة» تعتبر من أشهر المناظرات في تاريخ الثقافة العربية. لذا كان من الطبيعي أن يعود أبو حيان إلى السجال الأكثر قدرة على تصوير المناخ الفكري في ذلك العصر).
وهناك أيضا أبو الحسن العامري و«جماعة علماء الإسماعيلية» الذين كانوا بحسب التوحيدي ينشرون أفكارهم تحت اسم جامع هو «إخوان الصفا وخلان الوفا» وكان التوحيدي قد تحدث عنهم قبل أي مؤرخ آخر أيضا في «الإمتاع والمؤانسة» معتبرا إياهم «جماعة تآلفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والتضحية، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى النور... وزعموا انه من انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال».
إن التوحيدي إذ يستعيد في المقابسات مناخ السجالات والأفكار الذي كان رسم صورته في الإمتاع والمؤانسة إنما أوغل في رسم تلك الصورة المدهشة للحيوية الفكرية التي كانت تسود عالم الإسلام، ولا سيما في حاضرته الأساسية في ذلك الحين. غير أن الباحث المغربي محمد عابد الجابري يدنو من هذا الموضوع انطلاقا من نظرة مختلفة،
ذلك انه يقترح في فصل من كتابه «المثقفون» في الحضارة العربية أن «المقابسات» قد يتخذ أهميته من كونه يرسم صورة لجيل يجسم نموذج المثقفين الذين يستهلكون الثقافة ويروجونها ولكن من دون الارتباط بأية قضية معينة من قضاياها. انه جيل المقابسات، جيل اللامركزية الثقافية التي تعكس نوعا من اللامركزية السياسية...
ومن الواضح أن صاحب «نقد العقل العربي» يريد أن يركز بهذا التأكيد على كون القرن الرابع عشر، الذي يصف المقابسات صنوفا في الحياة الثقافية فيه، عصر اللامركزية بمعنى انه عصر أمرة الأمراء والدول المستقلة... لذا كان عصرا خاليا من أي مشروع ثقافي أو سياسي للدولة ككل، حتى أصبحت كل إمارة وصار كل ذي جاه وسلطان «يزين مجالسه» بالعلماء والكتاب والأدباء والشعراء.
فظهرت فئة من المستهلكين للثقافة الآخذين نتفا من هنا ونتفا من هناك «المتقابسين» الحريصين على المشاركة في كل علم والإدلاء فيه بدلو من خلال المناقشات والمقابسات التي كانت تزخر بها تلك المجالس الثقافية». وكان من بين هؤلاء كما يرى الجابري «المنطقي والمتفلسف والمتكلم الفقيه والنحوي والأديب والكاتب من الذين كانت مشاركتهم في شتى المعارف والفنون خالية من أي مجهود إبداعي إلا نادرا».
غير أن هذا التأكيد لا يمنع الجابري من القول إن موضوعات «المقابسات» تطاول «أمورا في غاية الأهمية مثل تطهير النفس باجتناب شهوات الجسد وعلم النجوم والنحو والفقه والأخلاق والناموس الإلهي والزمان والمكان والألفاظ والمعاني وكتمان السر والحياة والموت واللاهوت والإنشاء والكلام الجيد والعلة والمعلول والصداقة والنوم وما إلى ذلك...».
أما الباحث العراقي د. عبد الأمير الاعسم الذي ألقى في جامعة السوربون الفرنسية في الثمانينات مجموعة من المحاضرات من «المقابسات» فيقول ان التوحيدي في أرجاء الكتاب يبدو قريبا إلى هدوء الفلسفة والحكمة منه إلى الأدب والنوادر (خاصة) أن الروح التي تعمر الكتاب بعيدة كل البعد عن تلك التي تسود مؤلفاته في العهد الأول من حياته بل إن الكتاب يساوق السمو الذي تحكم به في عهده الثاني «إضافة إلى أن الكتاب يقول بوضوح ان التوحيدي لم يكن كاتب ضبط لتلك المجالس في بغداد بل كان عضوا فعالا فيها له رأيه وحواره وتساؤله وتوجيهه للأفكار».
