ترعرع على الإيمان، وشب طاهر العقيدة، لم يعبد من دون الله شيئا منذ نيطت عليه التمائم «ولم يتفتح عقله وإحساسه للحياة إلا ونور النبوة قد أخذ بمشاعره، وهداية الوحي ملأت قلبه، وجلال الإسلام أيقظ روحه، وتعاليم الشريعة كانت نبراسا له يضيء حوالك الظلمات أمامه، وتفتح أبواب الحكمة لعقله. إنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي يعد من أعظم قادة الفكر في تاريخ الإسلام.

حول هذه الشخصية العظيمة يقدم لنا الشيخ محمد صادق عرجون عميد كلية أصول الدين الأسبق جامعة الأزهر، كتابه :« أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الخليفة المثالي». في البداية يتحدث المؤلف عن نشأة علي بن أبي طالب، مشيرا إلى أن قريش شهدت في سنوات طفولته الأولى أزمة وقحطاً.. الأمر الذي جعل رسول الله صلى الله عله وسلم يقول لعميه حمزة والعباس: ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل ؟

فجاءوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم، فقال دعو لي عقيلا وخذوا من شئتم ، وكان شديد الحب لعقيل، فأخذ العباس طالبا، وأخذ حمزه جعفرا، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وقال قد اخترت من أختاره الله لي عليكم علياً.

ومن هنا بدأت حياة فتى قريش وبطل العرب في اتجاه جديد، يختلف كل الاختلاف عن حياة أمثاله من صبيان العرب وأنداده من فتيانهم فإنه انتقل من بيت كان للوثنية فيه صوت دوي، واثر قوي، إلى بيت أقام الله صرحه على دعائم التوحيد، وشاد دعائمه من الإخلاص واليقين، والصبيان أشد الناس حساسية، وأطبعهم على التقليد والمحاكاة، وإذا كان علي كرم الله وجهه ارتضع الشجاعة وكرم النحيزة،

ومخايل النبل عن أبيه سيد قريش في سنينه الأولى فإنه درج أيام شبابه وفتوته في مدارج الوحي ومهبط التشريع، حيث أتاح الله له أفاويق النبوة ينهل منها ما شاء له استعداده وفطرته من خير وبر وإيمان ويقين،وعلم وحكمة في ظل أصفى الخليقة سريرة، وأتقاهم علانية، يلقى من رعايته وحبه وعطفه ما لم يلقه وليد في كنف أعطف والد، حتى كان موضع سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وهو يصف ذلك فيقول : «يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه ويمسني جسده، ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمني».

روي أن علي كرم الله وجهه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة فوجده هو والسيدة خديجة أم المؤمنين يصليان، فقال : ما هذا يا محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا دين الله الذي بعث رسله. فأدعوك إلى الله، وأن تكفر باللات والعزة، فقال علي رضي الله عنه : هذا أمر لم أسمع به إلا اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا علي، إن لم تسلم فأكتم،

خشية أن يفشي أمره قبل أن يستعلنه ، فمكث علي ليلة يفكر في شأنه وشأن هذا الدين الجديد الذي جاء به ابن عمه الصادق الأمين، ولكن هداية الله كانت ترعاه، فلم يكد يسفر عليه الصبح حتى أسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، معلنا إيمانه بدعوته وقبوله لرسالته.

لقد ناهز علي العاشرة من عمره يوم شرف الله عز وجل محمدا بالبعثة إلى الناس كافة، فقابله قومه وعشيرته أعنت مقابلة، ولاسيما بعد أن أعلن صلى الله عليه وسلم دعوته وعلي رضوان الله عليه يشهد هذا النضال الذي سبق فيه اللسان السنان، فصقل الله بذلك رجولته، وأنشأه على بطولة الإسلام فكان فارسها بغير منازع،

حتى فتح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم باب الهجرة إلى المدينة فخرج متخفيا، وأمر أخاه وابن عمه فتى قريش أن يبيت على مضجعه تلك الليلة، فبات فيه وتغشى بُردا حضرميا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام فيه، واجتمع فتيان قريش بالباب يرصدون عليا وهم يظنونه محمدا.

روح الوفاء والبطولة ملأت قلب فتى الفتيان «علي» فأنامته على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخطر المواقف وأحرج الأوقات فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عهد إليه النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤدي عنه ودائعه ووصاياه ثم يلحق به إلى المدينة حيث يبدأ الإسلام حياته الجديدة.

حمر النعم !

ويشير المؤلف إلى بطولات علي كرم الله وجهه التي تجلت في صولاته عاليا بهامات صناديد قريش، فنصف قتلى بدر - وكانوا سبعين - إنما سالت نفوسهم على شفرات سيفه وفي غزوة أحد امتحن الله المسلمين فطارت أنفس الكثرة شعاعا وتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت معه إلا نفر فدوه بأنفسهم، وكان بطل الإسلام «على» فارسهم، فلم يزل يصول حتى فرج عن نبي الله وتحاجز الناس، وعادت إلى المؤمنين قلوبهم. .

وفي غزوة الخندق اشتد على الناس الحصار، وملوا الانتظار فاقتحم قرم العرب «عمرو بن ود «الخندق يطلب إلى المسلمين المبارزة ،و «علي» يؤمئذ شاب وعمرو بن ود هو من هو في أبطال العرب وشجعانهم، فبرز إليه علي وصارعه حتى صرعه فتنفس المسلمون الصعداء.

وقد فتح الله على يده حصون خيبر، وفي هذه الغزوة المظفرة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون ذلك حمر النعم» ولم يعرف التاريخ أنه تخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى «تبوك» فقد خلفه زمنها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وقال له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

وظل علي كرم الله وجهه يحمي راية الجهاد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتم الله على المسلمين نعمته، وأكمل لهم دينهم الذي أرتضى لهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وقلتهم كثرة وعزة. وينقلنا المؤلف إلى الحديث عن حياة علي كرم الله وجهه بعد وفاة الرسول صلى الله عله وسلم موضحا أن الناس اجتمعوا بعد محنة عاصفة على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه،

وتخلف عنها «علي» ونفر من الهاشميين لأنهم كانوا يرون أن «عليا» أحق بإمامة المسلمين لسابقته في الإسلام وقرابته ومصاهرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه كرم الله وجهه لما رأى إجماع الناس على بيعة الصديق، وأن ذلك قد أصلح العامة أشترى صلاح العامة بنقض رأي الخاصة «بني هاشم».

ثم تولى عمر ففعل مثل ذلك به وبعثمان، فلما قتل عثمان واختلف الناس وفسدت الخاصة والعامة وجد أعوانا فقام بالحق ودعا إليه وتبوأ أريكة الخلافة الإسلامية ولم يبايعه معاوية ومن ورائه أهل الشام ،ونقض بيعته طلحة والزبير وأخرجا أم المؤمنين عائشة تؤلب الناس عليه، وانخذل عنه الخوارج، وكانوا من أقوى أصحابه شكيمة فأصبحوا شوكة متخاذلين، يدعوهم فلا يجيبون، ويأمرهم فلا يطيعون، حتى انتهى إلى غدرة الخوارج به، وما استقر له السلام يوما واحدا.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود