كانت احتياجات دبي في نهاية عقد الخمسينات من القرن العشرين لا تختلف عن احتياجات أي مدينة عصرية. فقد كانت أعداد الوافدين إليها في تزايد، واحتياجات المقيمين فيها في تطور كبير. من ضمن الخدمات الضرورية التي أصبحت دبي في حاجة ماسة لها هي خدمات الهاتف كوسيلة سهلة للاتصال وتيسير الأعمال التجارية. لذا شهدت دبي في هذه الفترة دخول خدمة الهاتف إلى دبي.
ففي نهاية الخمسينات شهدت دبي تأسيس شركة تليفون دبي Dubai Telephone Co. برأسمال قدره 64996 جنيهاً استرلينياً، وذلك بالتعاون مع شركة «أير راديو» المحدودة التي حصلت على (51%) من الأسهم وحكومة دبي والتجار الذين حصلوا على ما نسبته (49%) من الأسهم على أن تبدأ الشركة أعمالها في منتصف عام 1960. وقد تم اتباع أسلوب شركة كهرباء دبي نفسه في بيع الخدمة للجمهور.
* توفير المياه النقية
أما مشكلة المياه فكانت عويصة، ليس بالنسبة لمدينة دبي ولكن لمدن الإمارات والخليج العربي الأخرى كافة. فهذه المدن ظهرت في منطقة صحراوية شحيحة المياه. فلا غرو أن يصبح توفير المياه للسكان قضية كبرى لصناع القرار والمسؤولين.
ومنذ أن بدأت دبي تطورها الحضري أصبح توفير المياه النقية شغلها الشاغل. فقد كانت المياه من أهم الخدمات الضرورية التي كان يطلبها مجتمع دبي النامي، خاصة وأن الآبار كانت محدودة. لذا فقد بدأ التنقيب عن المياه العذبة، وقد تطلب ذلك نفقات كبيرة، ما دفع بالمغفور له الشيخ راشد بن سعيد أن يطلب من حكومة قطر المساعدة.
وكانت المياه الجوفية موجودة في بعض مناطق دبي كالعوير وغيرها الأمر الذي يتطلب مد الأنابيب من هذه المناطق إلى مدينة دبي. واستطاعت دبي أن تعمل بعد جهد كبير على إمداد المدينة النامية بحاجتها من المياه لسد احتياجات السكان.
لم تكن هذه الخدمات العامة ستكمل أو حتى تستمر لولا وجود إرادة قوية من قبل الطبقة السياسية الممثلة بالحكومة، والإدارة التجارية الممثلة بالتجار. فما كادت الخمسينات تنتهي حتى كانت معالم البنية التحتية العصرية تظهر. فقد تم شق طرق جديدة بواسطة بلدية دبي، وكان سكرتيرها آنذاك على البستاني كما أدخلت تحسينات على المنشآت القديمة كسوق الخضار. كما تم تسوير المقابر وتحسين الطرق القديمة لإضافة اللمسة الجمالية على المدينة.
إن تلك التغيرات كانت في الواقع تغييرات جذرية لو أخذنا في الاعتبار ميزانية دبي المحدودة وكونها لا تزال إمارة غير بترولية حتى تلك الفترة. ولم تكن تلك المشاريع سترى النور لولا الإشراف المباشر من قبل الحاكم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد (1958 ـ 1990) وإرادة المجتمع التجاري الذي حقق بناء مدينة عصرية بمخصصات مالية بسيطة.
عرفت الإمارات عامة ومدينة دبي خاصة الخدمة الطبية الحديثة منذ بدايات القرن العشرين على يد المبشرين الأميركيين الذين توافدوا على المنطقة للتبشير تحت غطاء تقديم الخدمة الطبية الحديثة. وكان من أهم العوامل التي ساعدت على استمرارية عمل المبشرين الأميركيين هو غياب الخدمة الطبية الحديثة وتفشي الأمراض والعادات الصحية السيئة وإهمال الحكومة البريطانية لهذا الجانب المهم من الخدمات العامة،
ما أجبر سكان الإمارات على السفر إلى المناطق المجاورة كالبحرين والكويت والبصرة والهند من أجل تلقي العلاج الطبي العصري. وقد استمر المبشرون في تقديم خدماتهم الصحية في دبي حتى عام 1949 عندما تم افتتاح أول مستشفى حديث في دبي بالتعاون مع الشيخ سعيد، حاكم دبي آنذاك.
وكانت الحكومة البريطانية قد عيّنت في عام 1948 الكولونيل الدكتور مودي كمستشار طبي للمقيم السياسي في الخليج، وأمرته أن يقدم خطة تصورية عن مستقبل الخدمات الطبية في المنطقة، خاصة فيما يختص بالحجر الصحي وغير ذلك من القضايا التي تحتاج إلى إشراف حكومي. وقد قدم مودي تقريره الذي أوصى فيه بضرورة الاهتمام بإدخال بعض الخدمات الصحية إلى دبي بوصفها مدينة كبيرة يزيد عدد سكانها آنذاك على 50 ألف نسمة.
واقترح أيضاً أن تكون النفقات من الرسوم المفروضة على السفن التجارية التي تستخدم الموانئ في الخليج، ولكن صعوبة تنفيذ هذا الأمر جعل الحكومة البريطانية وحكومة دبي والإمارات الأخرى تشترك في الإنفاق على هذا المشروع بوصفه مشروعاً حيوياً تستفيد منه الإمارات جمعاء، خاصة وأن تكاليف بناء المستشفى وإدارته سيتم من الأجور التي تؤخذ عن المعاينة الطبية وكانت حوالي 2 روبية للمريض الواحد.
وفي بداية الخمسينات تم تعيين الدكتور جي. مكولي Dr. G. McGaully للإشراف على المستشفى الذي أصبح يُعرف باسم (مستشفى المكتوم). بالإضافة إلى ذلك فقد خاطبت الوكالة البريطانية في البحرين القسم الشرقي بوزارة الخارجية البريطانية من أجل مخاطبة الصليب الأحمر البريطاني ليرسل طبيباً إلى دبي. ولكن هذا الأمر واجه عقبة وهي عدم وجود مكتب للصليب الأحمر. وهكذا لم يتيسر للصليب الأحمر مساعدة دبي في هذا الصدد.
ما إن بدأ مستشفى المكتوم عمله في تقديم الخدمات الطبية الحديثة للسكان حتى ظهرت بعض العقبات التي كادت أن توقف نشاطه. فقد تبين بعد إنشاء المستشفى أن مسألة الإنفاق عليه وتوفير ميزانية ثابتة له لم يتم توفيرها لضمان استمرارية العمل في هذا المرفق الحيوي، إذ كانت ميزانية المستشفى تبلغ سنوياً حوالي 80 ألف روبية هندية. لذا فقد تعهد حاكم دبي بتوفير 40 ألفاً وتعهد حاكم الشارقة بتوفير جزء من المبلغ. كما تعهد حاكم أبوظبي آنذاك الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، ( 1928 ـ 1966) بتوفير الجزء الآخر.
ولكن مشكلة إيجاد ميزانية ثابتة ومستمرة للمستشفى دون اللجوء للهبات والتبرعات لم تنته بعد. وعلى الرغم من دراسة الأمر بصورة جدية إلا أن المشكلة ظلت دون حل حاسم إذ حالت موارد إمارة دبي من ناحية وموارد الإمارات الأخرى من ناحية أخرى دون إيجاد ذلك الحل. وعليه فقد ظل المستشفى يعمل طوال الخمسينات بميزانية مؤقتة. وفي نهاية الخمسينات زاد الإقبال على خدمات المستشفى.
وكانت خدمات الدكتور مكولي قد انتهت، كما انتهت خدمات طبيب آخر هو الدكتور محمد ياسين. لذا ظهرت الحاجة إلى تعيين أطباء جدد، ولذا تم تعيين الدكتور طيب حسن. كما تطلب المستشفى أدوات ومعدات حديثة للأشعة وغيرها، ما دعا الحكومة البريطانية تحت إشراف لجنة تطوير الساحل المتصالح إلى توفير تلك المعدات. كما تعهد الشيخ راشد بتوفير الدعم المالي لاستمرارية العمل في المستشفى،
كما وعد أيضاً بتعيين طبيب هندي آخر وطبيبة نسائية للعمل في المستشفى فجاءت إلى دبي طبيبة هندية. ما إن أشرفت سنوات الخمسينات على الانتهاء حتى تحوّل مستشفى المكتوم إلى مقصد المرضى من جميع أنحاء الإمارات الأمر الذي تطلب دعماً مالياً هائلاً لاستمرارية العمل فيه.
فالعجز المالي بقى يهدد الخدمات التي يقدمها المستشفى للأهالي، ما دفع بالوكيل السياسي البريطاني في دبي إلى طلب المزيد من الأموال من حكام بقية الإمارات الذين استجابوا للدعوة على الرغم من قلة مواردهم وعجز ذات اليد. وفي خطوة أخرى لإشراك المقيمين في دبي دعا الوكيل السياسي الجالية الهندية والباكستانية المقيمة في دبي للتبرع أيضاً. فالجميع سيستفيد من خدمات المستشفى.
كما أن اتساع الإمارة العمراني والسكاني تطلب المزيد من الخدمات الصحية في البلاد. فهي كانت في احتياج كبير إلى التطعيم ضد الأمراض الوافدة والأمراض المستوطنة كالملاريا وشلل الأطفال والتيفوئيد والكوليرا والجدري والحصبة وغيرها من الأمراض المنتشرة بكثرة آنذاك. وقد قام المستشفى في عام 1960 بشن حملة تطعيم واسعة النطاق ضد الملاريا، والتي كانت تحصد سنوياً عشرات الأشخاص في جميع أنحاء الإمارات.
أعطى تحسن الخدمات الصحية نتائج ملموسة في مجتمع دبي. فإحصائيات الستينات تبرز لنا تقلص عدد وفيات الأطفال وزيادة نسبة المواليد وارتفاع معدل الصحة العامة. كما سجلت تلك الإحصائيات انخفاضاً ملموساً في نسبة انتشار بعض الأوبئة. وهكذا دخلت دبي عقداً جديداً بنوعية مختلفة من الخدمات العصرية ما كانت لتتحقق لولا حرص ووعي الطبقة الحاكمة وتكاتف الجاليات المقيمة في دبي مع أهالي دبي.
ترصدها: د. فاطمة الصايغ

