لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في الأمر نفسه كذلك لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد وهذا لا يتم إلا ان كان لقي كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهذا في غاية البعد في العادة وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم ان يكون الواقع كذلك. وتمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه.

فإنا لا نسلم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم ان الواقع في نفس الأمر كذلك سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله ان لا يكون حفظ مجموعة الجم الغفير وليس من شرط التواتر ان يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكل ولو على التوزيع كفى. لقد قتل في حرب اليمامة سبعون من القراء وقريب من هذا العدد قتل يوم بئر مؤتة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم ولكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم.

وذكر عن أبي بكر الباقلاني أوجه متعددة في معرض الرد على الحديث نذكرها بإيجاز:

لا مفهوم له، ولا يلزم من ذلك نفي الجمع عن الغير.

المراد به لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات إلا هؤلاء.

المراد به من لم يجمع النسخ قبل وبعد إلا هؤلاء.

المراد انه لم يتلقه عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلا هؤلاء.

المراد انهم الذين قد تصدوا إلى إلقائه وتعليمه فأوى ذلك إلى شهرتهم وإخفاء حال الآخرين.

المراد به أنهم جمعوه كتابة وحفظاً.

المراد به أنهم الذين قد أفصحوا عن جمعه في عهد الرسول (صلى الله عليهم وسلم) دون غيرهم.

المراد به السمع والطاعة والعلم بمقتضاه.

وقال آخرون: المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس كما أخرجه ابن جرين من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج فقال الأوس منا أربعة: من اهتز له العرش سعد بن معاذ ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر ومن الدبر عاصم بن أبي ثابت أي ابن أبي الأفلح. فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم.

والذي يظهر من كثير من الأحاديث ان أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ففي الصحيح انه بنى مسجداً بفناء داره فكان يقرأ فيه القرآن وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك. قال وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبي (صلى الله عليه وسلم) وفراغ باله له وهما بمكة

وكثرة ملازمة كل منهما للآخر حتى قالت عائشة إنه صلى الله عليه وسلم كان يأتيه بكرة وعشياً وقد صح حديث يؤم القوم أقرأهم.وكيف يمكن الإحاطة بأنه لم يكمله سوى أربعة والصحابة متفرقون في البلاد فقد حفظه بجميع أجزائه مئون لا يحصون.