ـ وشعر ابن شهيد الباقي يسجّل معاناة الشاعر من مرضه وحاله، ويبسط كلاماً واسعاً له في الحياة والموت، كقوله في حال مرضه:
أستودع الله إخواني وعشرتهم
وكل خِرْقِ إلى العلياء سبّاقِ
(الخرق: الفتى الظريف في سماحة ونجدة).
وفتيةً كنجوم القذف نَيّرهم
يهدي وصائِبُهم يُودي بإحراقِ
وكوكباً لي منهم كان مغربهُ
قلبي ومشرقهُ ما بين أطواقي
ـ وقال في موقفٍ آخر في معنى الاستسلام للقضاء والقدر، ووداع الأصحاب:
رضيتُ قضاء الله في كل حالةٍ
عليّ وأحكاماً تيقّنت عَدْلهَا
وفي هذه القصيدة (يخاطب أصحابه):
عليكم سلام من فتيً عضّه الردى
ولم ينس عيناً أثبتت فيه نُبْلَها
يُبين وكفّ الموت يخلع نفسه
وداخلها حبّ يهوّنُ ثُكْلَها
ويرتفع صوت ابن شهيد، في المقصد نفسه وهو يخاطب صديقه أبا محمد بن حزم، في أثناء علّته:
ولمّا رأيتُ العيش ولّى برأسه
وأيقنت أن الموت لا شكّ لاحقي
تمنّيتُ أنّي ساكنٌ في غيابةٍ
بأعلى تهبّ الريح في رأس شاهقِ
خليليّ مَنْ ذاق المنيّة مرّةً
فقد ذُقْتُها خمسين قولة صادقِ
فمن مبلغٌ عني ابنَ حزمٍ وكان لي
يداً في مُلمّاتي وعند مَضايقي
عليك سلام الله إني مفارقٌ
وحسبك زاداً من حبيب مفارقِ
فلا تَنْسَ تأبيني إذا ما فقدتني
وتذكار أيّامي وفضل خلائقي
وإني لأرجو الله في ما تقدّمتْ
ذنوبي به ممّا درى من حقائقي
وهذه أبيات مختارة من القصيدة التي تبوح بأحوال النفس ولمحات الفكر، وألم المرضى (فقد ذُقتها خمسين...) وفي الأبيات ملمح إنساني في الارتباط بصديق عمره ابن حزم، فقد كانا، إضافة إلى الصداقة الشخصية، من أهم رجال قرطبة أدباً وشعراً وعلماً وعناية بقرطبة والأندلس.