الحمد لله حمد من عرفه والصلاة والسلام على محمد خاتم رسله وبعد: نواصل حديثنا اليومي في هذه الزاوية مع الحقوق وحديثنا اليوم عن حق (الأم) التي قال الله تعالى فيها: (ولا تشركوا بالله شيئاً وبالوالدين إحساناً)، وقال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً) وهناك الكثير من الآيات الربانية في كتاب الله عن حق الأم التي هي أحق بالصحبة، كما قال رسول الله للسائل عن أحق الناس بصحبته قال أمك، ثم أمك، ثم أمك.
فهذا التكرار من رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليبين أهمية هذا الحق والذي تغافل عنه الناس اليوم سواء بقصد أو من دون قصد، وحق الأم عظيم جداً حيث قرنه المولى سبحانه وتعالى معه في حقه في العبودية وعدم الشرك به)، كما قال: (ولا تشركوا بالله شيئاً) ثم عقب ذلك بذكر الأم مبيناً أهمية حقها فقال:
(وبالوالدين إحساناً)، أي الأم والأب، ولكن نحن نذكر اليوم حق الأم وفي الحلقة المقبلة نذكر حق الأب، وحديثنا عن هذه الحقوق هي دعوة للمراجعة والتصحيح وتبيان لأهمية حق الأم التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أحب الأعمال قال (الصلاة على وقتها ثم قال بر الوالدين ثم قال الجهاد في سبيل الله). انظر أخي الصائم كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بر الوالدين من أحب الأعمال لله بعد الصلاة على وقتها وجعل بر الوالدين أعظم من الجهاد
كما بين في حديث آخر لما سأله رجل عن الجهاد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ألك أبوان، قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد. وعوداً للحديث السابق عندما كرر رسول الله للسائل عن أحق الناس بصحبته فقال: أمك.
هذا الحديث على وجه الخصوص يحمل دلالات كثيرة عن حقوق الأم ومن هذه الدلالات أن الأم حملتك شقوة وأما الأب فحملك شهوة، كما أخبرت المرأة التي خاصمت زوجها في حقها لتربية أبنائها فقالت إنه حمله شهوة بينما حملته هي شقوة، فدل ذلك على عظمة هذه الأم في حملها به لمدة تسعة أشهر، والأمر الثاني ساعة الولادة أي تعب الولادة لا يساويه شيء كما جاء في الحديث.
ثم يأتي بعد ذلك هم الرضاعة والسهر، فالطفولة متعبة لذلك الرضاعة لمدة عامين تعني تحمل مسؤولية عظيمة، حيث ينشأ هذا الطفل بين يدي أمه وهو فاقد كل مقومات الحياة ولا يستطيع حتى أن ينظف نفسه أو يسقيها والكثير الكثير من النقص، ثم بعد ذلك تأتي سنوات الطفولة والشقاوة التي يخرب الطفل فيها كل ما نالت يديه، والأم تتحمل كل ذلك الشقاء والتعب في سبيل تربية هذا الطفل، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التربية التي تتحمل الأم العبء الأكبر منها.
ثم مراحل الدراسة التي تشقى الأم فيها لتعليم أبناءها، ثم مرحلة الشباب التي تأخذ الأم الهم الكبير في خوفها على ابنها وخاصة في هذا الزمن حيث كثرت فيه المشاكل الاجتماعية ثم سعيها لإقرار عينيه بزوجة صالحة، وهكذا نرى أن مسيرة الأم مع الولد لا منتهى لها.
فهي بعد أن تكون أم تحولت إلى جدة وتحمل مشاكل أولاد الولد وغير ذلك من أمور لا نستطيع إحصاءها، وفي هذه الزاوية الصغيرة دائماً نوجه هنا إشارات للجميع ونذكرهم بأهمية حقوق الأم وأن هذا الحق لعظيم. أخي الحبيب الصائم وأنه في هذه اللحظات عليك أن تتذكر أمك وتعبها عليك فإذا كانت من الأحياء أن تتصل بها أولاً ثم تزورها ومعك هدية تدخل السرور عليها بها، وتطلب منها الدعاء وخاصة وهي صائمة، لأن دعاء الوالدين مجاب فلا تحرم نفسك أخي من دعاء أمك لك.
أما إذا كانت من أهل الآخرة فأكثر لها بالدعاء وطلب الرحمة والمغفرة، وإن دعاءك واصل لها، ومن برها أن تتصدق عنها وتعمل لها صدقة جارية كمسجد أو وقف خيري، وكل عمل صالح تنال به الأجر والثواب، فاحرص أخي على ذلك، وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضيه. والحمد لله رب العالمين.