تمثل الذكريات الرمضانية لدى الأديب يوسف القعيد ذخيرة يجدد بها حيويته وطاقته كل عام ويواصل مسيرته فى عالم التأمل واطلاق الخيالات التى تعينه على اقتناص لحظات الابداع ورغم انه يعيش فى القاهرة منذ اكثر من ربع قرن الا أن ذكرياته الرمضانية فى قريته «الضهرية» لم تفارقه لحظة فيستقى منها الزاد والزواد بما يثرى خياله يقول القعيد رمضان فى قريتى يعنى التراحم والحب والدفء الحار لاماسى رمضان.
لقد كانت موائد عابرى السبيل شيئا مقدسا، وأى شخص يمر لابد أن تتم استضافته بشكل جاد، وليس نوعا من الوجاهة «والبرستيج» الاجتماعي كما يحدث الآن فى بعض الأحياء الراقية، كنا نعرف «المسحراتي» شخصياً ونستمتع نحن الأطفال بالتواشيح والأناشيد التى يؤلفها خصيصا حسب أسماء الناس اللذين يوقظهم تباعا للسحور، فقد كان أيضا مؤذننا، ويقوم بتكفين الموتى ويحمل طبلة ضخمة ترن بقوة فى العتمة القوية، كانت الأشياء كلها ذاتية وشخصية وإنسانية.
وبخلاف صورة المسحراتى التى بددها الواقع هناك ساعة الإفطار و التواشيح الدينية التى يبثها الراديو في ساعات التمهيد للافطار فهذه الصورة التي لم تفارق مخيلتى حتى الآن وهى اسراعى بعد سماع الأذان الى الراديو لسماع مسلسل ألف ليلة وليلة تأليف طاهر ابو فاشا فقد كنت مسحورا بصوت زوزو نبيل وكأنها هى فعلا شهرذاد وايضالسماع المسلسلات الفكاهية التى كان يقدمها فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولى
أما قبل الاذان فى ساعات العصارى فكنا ننتظر قدوم المغرب امام المسجد وكأن المسجد مصدر الاشعاع الذى يخرج منة الافطار ونرى المؤذن وكنا نغنى مع أذان المغرب «يا صائم افطر على الكحك والسكر» كنا قديما مجموعة من الأطفال المسحورين بالأجواء الرمضانية، نتجمع عند عتبات المساجد انتظارا للحظة انطلاق المدفع، ثم الأذان،
أما العادات الأخرى الحميمة مثل التزاور والقراءة فى «دلائل الخيرات» والازدحام فى صلاة التراويح، فكانت طقوسا رمضانية تجعل الريف يتوهج بنور خاص لم يكن وقتها لدينا كهرباء فى القرية، وإنما راديو ببطارية «سايلة» جعلنا مرتبطين بصوت الدكتور طه حسين والشيخ محمد رفعت، فضلا عن المسلسلات الإذاعية. قد عشت رمضان فى القرية وعشت رمضان فى القاهرة فكان رمضان فى القرية أجمل وفى العاصمة موحش.
وعن الفارق بين قضاء رمضان فى القرية ورمضان فى المدينة او بمعنى آخر رمضان فى الماضى ورمضان الحاضر يقول القعيد إنه لايوجد مكان بالقاهرة يشعرني بالحنين أو الانتماء لذكرياتي الحميمة في رمضان فنحن أبناء الريف المنذورين للعاصمة ولياليها لا نستطيع أن نمنع انفسنا من المقارنة بين الدفء الحار لأماسى رمضان فى القرية
وبين هذا الزيف الاجتماعى الموجود فى القاهرة فلا يستطيع الأديب الذى نشأ فى بيئة ريفية ثم هاجر الى المدينة واستوطن بها ان يمنع نفسه من عقد المقارنة واحداث المفارقة حين يتحدث عن ذكرياته الرمضانية فى كل من الريف والمدينة وتظل عواطفه واحاسيسه تميل للانجذاب نحو ذكريات القرية حيث لا توجد لى ذكريات تذكر فى القاهرة الا فى اجواء حى الحسين والجمالية وجامع الازهر الشريف حيث تفيض روحانيات الشهر الكريم وتبرز بداخلى مشاعرى الطفولية كما تشعل بداخلى نزعات روحية ليس لها مدى.
وعن ارتباط شهر رمضان بالكتابة والقراءة يقول «رمضان مرتبط لدى بالقراءة أكثر من الكتابة فهو ليس شهراً منتجاً ففى رمضان كنا ونحن تلاميذ لا نستذكر دروسنا بحجة الصيام بالنهار وامتلاء المعدة بالليل فلا تنتج فى جوعك ولا شبعك اما الآن فأنا حريص على قراءة القرآن ومن الممكن ان اقرا فى النهار رواية خفيفة ولا استطيع قراءة رواية عميقة ففى رمضان القراءة اكثر وأسهل والكتابة لا تكتب إلا إذا كانت ملحة،
الآن في هذا الشهر الكريم وأنا أقيم فى القاهرة يداهمنى إحساس نادر التكرار بأننى أمتلك بالفعل فائضا حقيقيا من الوقت .. هذا الشعور لا يتكرر معي، حتى في الإجازات الصيفية، واستمتع بالمكوث في البيت أطول وقت ممكن رغم أن القراءة تظل فى معدلاتها العادية، بل ربما تقل، كما ألتهم وجبة دسمة من الدراما التلفزيونية التى تكون فى أجود حالاتها».
القاهرة ـ محمد صادق