ما زالت قضية الشعر تستأثر باهتمام الأدباء والقراء معاً، ومسرحاً للبحث والمناقشات، ولا غرابة في هذا فالشعر عند العرب كان يحتل مركز الصدارة الأدبي، تعقد له الأندية، حيث يشتد الجدل في الأخذ والرد حول تقييمه. والشاعر مسؤول عما ينتجه مطالب بأن يبدع بأصالة لا ان ينسب قصائد غيره لنفسه بعد ان يغير بعض أبياتها ويشوه مضمونها تماماً كما فعل أحمد أمين في قصيدته ـ نفحة من الشرق ـ المنشورة في عدد مارس من «الأديب».
إذا دققنا في موضوع هذه القصيدة نجده في انحراف عن مادة واقعة. فالشاعر إزاء نفحة من الشرق نزلت في قرارة عيونه، يهيم في صور قديمة تحمل طابعاً شرقياً قديماً حيث كانت القصور والجواري الراقصات على لحن مثار: فتحت افقاً لعيني مليئاً بالجواري ـ يتهادين على الأنغام في شوق مثار ـ واستدارت كأن الأفق منها في دوار ـ وهي تمضي في صعود ثم تهوي في انحدار.
والحقيقة ان الشرق ما زال في كبوة يحاول جاهداً ان ينهض منها وان يبني مجده بيده ويحتل مكانته المرموقة في العالم الحضاري. ان الكابوس الرازح على صدر شرقنا كفيل بأن يحول الانظار عن الأجواء الوادعة الوهمية إلى الواقع المؤلم. الشرق وما يصطرع في أحشائه من ثورات، موضوع إنساني زخم يمكن للشاعر الحق ان يتناوله بحرارة وعمق ويخلق منه أدباً جديراً بالاحترام والتقدير.
ولقد فشل أحمد أمين عندما حاول أن يعبر بافتعال عما أحدثته في نفسه تلك النفحة الشرقية، فتصور بلاده سماء ضاحكة وصحوا جميلاً وأغاني تتردد في الآفاق. فالصور. فالصور والتعابير التي استعملها ليست سوى ظلال مشوهة لقصيدة لسعيد عقل. فهذه مقاطع من القصيدتين تؤكد صحة ما ذهبت إليه.
يقول عقل: ساعة وانفلتت .. ما نجد ما شم العرار ـ ويقول أمين: تنثر الأطياب ما نجد وما شم العرار ـ يقول عقل: من شذى السوسن فيها ودماليج الصغار ـ ومن التجواب والتيه بأحضان الصحارى ـ شق آفاقاً من الألحان ملأى بالجواري ـ .. فهي أفق المنتهى والكون منها في دوار ـ يقول أمين: من شذى السوسن وعبير الجلنار ـ ومن التجواب في الليل بأحضان البراري ـ.
وبعد هذه القصيدة شيء من المعاناة بعد وضوح (اللطش) ثم هل هذا البيت موزون: واستدارت كأن الأفق منها في دوار ـ. ولكي يستقيم الوزن كان لزاماً على الشاعر ان يقول واستدارت لكان أو فكان الأفق منها في دوار.
حسين علي صعب