مواصلة للحديث عن الدور الكبير الذي لعبه المطربين زكريا احمد تتناول بمزيد من التفاصيل في الحلقة الثانية ألحان الشيخ زكريا للأدوار المصرية والقصائد والطقاطيق فقد بلغ في هذه الألوان قمة الإجادة والإبداع وكانت خطواته الأولى في ميدان الأدوار دور الراست ياقلبي كان مالك وهو ده يخلص من الله الزنجران وايمتى الهوى يجي سوا الهز .

ويذكر أحد أصدقاء الشيخ زكريا واسمه ماهر فرج عن قصة دور هو ده يخلص من الله أن الشيخ زكريا قضى ثلاثة أشهر وهو يعد هذا اللحن وكان يقضي ساعات طويلة من الفجر إلى مغرب اليوم التالي سارحاً في أجواء هذا اللحن وحدث أن انتابه المرض

ولكنه كان يتجلد ويستمر في التلحين وعندما انتهى منه وأصبح راضيا عنه ذهب به إلى أم كلثوم وانتقل اللحن من قمة التلحين إلى قمة الأصوات الساحرة صوت أم كلثوم وكان هذا الدور حدثاً فنياً رائعاً تحدثت عنه الصحف المصرية والعربية أياماً طويلة لأنه كان تطويراً للأغنية العربية في مطلع القرن العشرين.

شارك في ثورة 1919 واستغل انتقاله بين أنحاء مصر للقراءة والإنشاد في حمل الرسائل من ثوار القاهرة إلى ثوار الأقاليم والعكس، وكان المكان الخفي الأمين لحفظ هذه الرسائل السرية هو طيات شال عمامته، وكان في قراءته للقرآن الكريم يختار الآيات التي تحض على الجهاد حتى أنه خلال وزارة يوسف وهبه باشا التي شكلت ضد إرادة الأمة،

كان الشيخ زكريا يقرأ القرآن محرضاً الشباب الوطني الثائر وكان يركز على الآية من سورة يوسف التي تقول «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم» وكان يقرأ هذه الآية بالسبع قراءات مرة وبالأربع عشرة قراءة مرات أخرى، بالإضافة إلى خطبه وأناشيده وأغانيه الحماسية.

* الشيخ زكريا وأم كلثوم

بدأ الشيخ زكريا التلحين لأم كلثوم عام 1931 بأغنية اللي حبك يا هناه من تأليف أحمد رامي، ولزكريا أحمد سجل طويل من الأغنيات التي لحنها لأم كلثوم بلغت حوالي 60 أغنية بعضها للسينما، وكان آخر ألحانه لها أغنيتها الشهيرة هو صحيح الهوى غلاب عام 1960. ومن أشهر ما لحن لها أهل الهوى، الآهات، الأمل، أنا في انتظارك، كل الأحبة اتنين، هو صحيح، غنى لي شوي شوي، عن العشاق سألوني، الورد جميل، الليلة عيد (حبيبي يسعد أوقاته).

تميزت ألحان زكريا لأم كلثوم بطابع خاص جعلها تتميز عن ألحان غيره لها، وغير ألحان الأفلام فإن ما غنته له على المسرح في حفلاتها يعتبر من درر الموسيقى الشرقية، والحقيقة أن نهر الشيخ زكريا الذي لا ينضب من الألحان البديعة والغنية جعل بعض النقاد يقولون بأن الشيخ زكريا كان يخيف الملحنين الآخرين، فألحانه تفيض فيضا تلقائيا لا تصنع فيها ولا تكلف، ويتلقاها الجمهور دائما بالإعجاب،

ورغم إعجابه بصوت أم كلثوم وإعجابها هي الأخرى بألحانه لم تكن علاقتهما دائما على ما يرام، بل كان بينهما محاكم وقضايا في بعض الأحيان، ويذكر أن طلبت منه أم كلثوم لحنا ذات مرة فطلب خمسة آلاف جنيه ثمنا له وكانت أجور الألحان وقتئذ بالمئات وليس بالآلاف، وعندما رفضت أم كلثوم طلبه تقاطعا لسنوات، لكنهما عادا واصطلحا ولحن لها عام 1960 هو صحيح الهوى غلاب من كلمات بيرم التونسي قبل وفاتهما بعام واحد، ومن أهم ألحان زكريا لأم كلثوم.

* وسيد درويش

يقال كثيراً إن الشيخ زكريا قدم بألحانه امتداداً لألحان الشيخ سيد درويش، وربما يحتاج هذا القول إلى بعض التأمل.

على سبيل المثال لا الحصر هناك ثلاثة ألحان مشهورة للشيخ زكريا هي من مقام جديد على الموسيقى العربية هو من ابتكار الشيخ سيد درويش وهو مقام الزنجران، أما الألحان فهي دور هو ده يخلص من الله لأم كلثوم، أغنية عن العشاق سألوني لأم كلثوم،

وأغنية يا حلاوة الدنيا لفتحية أحمد، وهذا وحده يدل على أن زكريا أحمد قد سار على خطى سيد درويش رغم أنه عاصره. الألحان الموغلة في الشرقية التي قدمها الشيخ زكريا، والمليئة بالصور الشعبية توحي بإخلاصه للتراث الشعبي كمصدر لموسيقاه وألحانه كما كان الحال مع سيد درويش، وإذا سمعنا الناس في الأفراح والمناسبات الشعبية يغنون يا صلاة الزين، ويغنون يا حلاوة الدنيا في ابتهاج ومرح بعد مرور نحو نصف قرن على تلحينها فهو أمر يستحق النظر،

والحقيقة إن أغنية الليلة عيد لأم كلثوم (حبيبي يسعد أوقاته) قد أصبحت تراثا ليس فنيا فقط، بل تقليدا اجتماعيا قل أن ينجح أحد في صنع مثله، إن أغنية واحدة لا تصنع مجد فنان، لكنها إذا أصبحت رمزا شعبيا لدرجة أن لا يشعر الناس بمقدم العيد إلا بسماعها مهما مرت السنين يجعلنا نضع هذا الفنان في مصاف صناع التراث.

* مع بيرم التونسي

ولا يمكن أن يأتي زكريا أحمد دون ذكر بيرم التونسي، والعكس صحيح، فقد تلازم الاثنان تلازما شخصيا وفنيا وكونا معا ثنائيا غزير الإنتاج عميق التأثير في الناس والمجتمع، ولا تزال أعمالهما المشتركة تردد للآن وكأنها صنعت بالأمس القريب. ومن أعمال زكريا وبيرم المشتركة..

أغاني أم كلثوم، أجمل أغانيها ومنها بكرة السفر، يا فرحة الأحباب، أنا في انتظارك، الآهات، الأوله في الغرام، حبيبي يسعد أوقاته، أهل الهوى، غنى لي شوي شوي، عن العشاق سألوني، قوللى ولا تخبيش يا زين، الأمل، حبيب قلبي وافاني (الحلم)، نصرة قوية، الورد جميل، هو صحيح. مونولوجات حاتجن ياريت يا إخواننا مارحتش لندن ولا باريس، يأهل المغنى دماغنا، آدي وقت البرنيطة، قدر ده وده، أوبريتات أوبريت عزيزة ويونس.

اقترب زكريا من بيرم كثيراً حتى في قدرهما، فقد عاشا تقريبا لنفس العمر وتوفي الشيخ زكريا في ذكرى الأربعين لوفاة بيرم. توفي هذا الفنان الكبير في منتصف عام 1961 في القاهرة بعد جهاد طويل في سبيل الدفاع عن الألحان الشرقية والعمل على انتشارها حماية للذوق المصري الأصيل.

عادل السنهوري