يعلّم الجزائريون أبناءهم الصيام في وقت مبكر، وعادة ما يصوم الأطفال بين السادسة والثانية عشرة أياما خلال الشهر الفضيل فيما يصوم من هم دون تلك السن ساعات في اليوم. ويرغب الأطفال في الانخراط في الجو العام لرمضان فيطلبون من الأولياء السماح لهم بمشاركتهم وجبة السحور والجلوس إلى المائدة معهم وقت الفطور.
وعندها يطرح الشرط: الفطور والسحور لمن أدوا فريضة الصوم أما أنتم الصغار لكم بعدها وجباتكم العادية، وكلام مثل هذا له وقع كبير لدى الأطفال، فيتحمسون للظهور بمظهر الكبار ويقررون الصوم. الكثيرون لا يعرفون جيدا معنى الصوم حين يكفون عن الأكل نهارا إلى أن يؤذن لصلاة المغرب، هم يقلدون الأولياء ويستنسخون تصرفهم، حتى أنهم يقبلون حين يقال لهم «الكبار يصومون يوماً كاملا والصغار يصومون ساعة مثلا أو ساعتين أو نصف يوم».
لكن في كل الحالات يجري التأكيد على أن الصيام جزء من الحياة. وحين يصوم الطفل أو البنت يوما كاملا لأول مرة تجتمع العائلة وتقيم ما يشبه العرس وتحضر وجبة خاصة لذلك اليوم ويرتدي الصائم الصغير أجمل ما يملك من لباس ويجلس وسط الأهل حين يقترب موعد الإفطار، ويفطر الطفل على جرعة ماء من كوب لم يسبق استعماله يوضع بداخله خاتم من فضة وعلى محيطه أسورة من ذهب.
ويكون الحدث كبيرا في العائلة ويشتاق من هم أقل منه إلى الوقت الذي يعيشون فيه تلك اللحظات. جميع الجزائريين أو معظمهم مر على هذه الطقوس التي تبقى خالدة في الذاكرة. ويتذكر المطرب علي الزبيدي وهو من منطقة بسكرة الصحراوية بشرق الجزائر أنه بدأ رمضان مبكرا ربما في السابعة وصام يوماً كاملاً فأفطر على التمر وماء من كوب مرصع بالحلي الفضية والذهبية وكان البيت مزينا وحضر الحفل عدد من أفراد العائلة.
ويقول ناصر الدين محمد أمزيان وهو من منطقة القبائل بأقصى شمال البلاد وتقاعد منذ سنوات من مهنة التدريس بأنه صام يوما كاملاً وهو في السادسة عام 1941 ميلادية، وكان والده وقتها معلما بإحدى المدارس القرآنية التقليدية، وقد أفطره الوالد بيده على قطرة ماء من كوب به خاتم فضة واسورة من ذهب استلفتها والدته من جارتها خصيصا لهذا الغرض. ويتذكر جيدا تلك الأفراح التي أقيمت بالمناسبة مع أن الحدث مر عليه اليوم 64 عاما.
وقالت صليحة سيدة البيت التي تقطن بحي القبة على مرتفعات العاصمة إن ابنتها سارة قررت صوم اليوم الثاني من رمضان هذا العام ولما رفضت لها على اعتبار أنها لم تكمل السادسة من العمر ولا تقوى على الصيام، بكت وامتنعت عن الأكل ولم تهدأ إلا حين وعدتها بإيقاظها لتناول وجبة السحور في اليوم الموالي، فصامت حتى الظهر.
ويروي الكبار أن حفلات الصوم الأول كانت تقام حتى في أقسى الظروف التي مرت بها الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي حيث أغلبية الجزائريين كانوا يحضرون وجبات الإفطار من الأعشاب لنقص موارد العيش، كانت الأفراح تقام وكرست قدسية رمضان باعتباره شهرا خارج العادة، ينتبه الإنسان فيه لنفسه ولأفعاله أكثر مما يفعل في أيام السنة الأخرى.
هذه الطقوس توارثها الجزائريون أبا عن جد ولا تزال قائمة حتى اليوم مع أن أمور الحياة تغيرت رأسا على عقب وبقي الاحتفاء بصيام الأطفال يومهم الأول على ما كان منذ قرون، حدثا بالغ الأهمية والتأثير في الأجيال.