كتب ابن خلدون سيرته الذاتية، الحياتية والفكرية في كتاب عنوانه «ابن خلدون ورحلته شرقاً وغرباً». وهو تحدث في صفحات هذا الكتاب عن حياته وأصله وأخلاقه وأفكاره وخيبات أمله وتنقلاته، بشكل لم يكن له سابق في التراث العربي.
ومع هذا، رغم كثافة الأحداث المروية، تبقى الصفحات التي يحدثنا فيها صاحب «المقدمة» و«كتاب العبر» عن مبارحته دمشق خفية، للقاء قائد المغول تيمورلنك من أعجب الصفات خاصة وان هذا كان في ذلك الحين يحاصر دمشق وفي طريقه إلى من يستولي عليها.
لو كان النص الذي أورده ابن خلدون في كتابه الشهير حول رحلته شرقاً وغرباً، ويتعلق بلقائه تيمورلنك بالقرب من دمشق حين كان يعيش في هذه المدينة، كتب اليوم بقلم مثقف من معاصرينا، لكان من شأنه أن يثير زوبعة. وعلى سبيل المقارنة لنتصور مثلاً مؤرخاً عربياً كبيراً في غزة والضفة الغربية يتدلى يوماً من نافذة في المدينة المحاصرة ليروح ويقابل شارون، ثم يكتب عن المقابلة بكل هدوء!
طبعاً لن نتمادى في المقارنة هنا، بل نعود إلى ما كتبه ابن خلدون نفسه، ومن دون تعليق أو من دون أن يرف له جفن أو يخشى من يتهمه بخيانة أو بتزلف. يقول ابن خلدون «لما وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر (أي تيمورلنك) ملك بلاد الروم وخرب سيواس ورجع إلى الشام، وكنت أنا يومئذ معزولاً عن الوظيفة، فاستدعاني دواداره يشيك وأرادني على السفر معه في «كتاب السلطان».
وهكذا بعد تمنع وأخذ ورد ذهب ابن خلدون إلى الشام حيث وصل دمشق وجيوش تيمورلنك قد رحلت من بعلبك قاصدة دمشق. وبعد محاولة هجوم يائسة اكتفى القائد المغولي بمحاصرة المدينة وابن خلدون من ضمن من فيها. وإذ اشتد الحصار «جاءني القضاة والفقهاء واجتمعت بمدرسة العادلية واتفق الرأي على طلب الأمان من الأمير تمر على بيوتهم وحرمهم. ولما أبى عليهم قائد القلعة الخروج لذلك تمكن القاضي برهان الدين من الخروج ومعه شيخ الفقهاء في إحدى الزوايا.
ولما اجتمعوا بتمر أحالهم إلى التأمين. ويبدو أن المغولي طلب لقاء الفقهاء والعلماء فخرجوا إليه وتدندلوا عبر السور، فأملهم أفضل الآمال. ثم جاء دور ابن خلدون «أخبرني القاضي برهان الدين انه - أي تيمورلنك- سأل عني وهل سافرت مع عساكر مصر وأقمت في المدينة فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه».
وهنا يحدثنا ابن خلدون عن خلاف ثار حول مسألة لقاء تيمورلنك، وبلغ خبر هذا الخلاف ابن خلدون الذي خاف كثيراً وخرج إلى رفاقه القضاة قبل الفجر وقد قرر الإسراع بالخروج خوفاً على حياته، ولو تدليا عبر السور. وهكذا «دلوني من السور» وتوجه مفكرنا إلى معسكر تيمورلنك ليجد بطانته عند الباب ونائبه الذي عينه للولاية على دمشق، واسمه شاه ملك فحييتهم وحيوني وفديّت وفدوني، وقدم لي شاه ملك مركوباً وبعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه.
فلما وقفت بالباب خرج الإذن بإجلاسي في خيمة هناك تجاور خيمة جلوسه ثم زيد في التعريف باسمي اني القاضي المالكي المغربي، فاستدعاني ودخلت عليه بخيمة جلوسه متكئاً على مرفقه وكانت صحاف الطعام تمر بين يديه يشير بها إلى عصب المفل جلوساً أمام خيمته حلقاً حلقاً. فلما دخلت عليه فاتحت بالسلام وأوحيت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه ومد يده فقبلتها، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت.
ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم ما بيننا وسألني من أين جئت من المغرب ولماذا جئت؟ فقلت له، ويروي هنا ابن خلدون للقائد المغولي حكايته. وبعد ذلك يسأله هذا الأخير «وأين ولدك الآن؟ فيقول ابن خلدون إن ولده في المغرب الجواني يخدم ككاتب للملك الأعظم هنالك».
فيسأله تيمورلنك «وما معنى الجواني في وصف المغرب؟» فيقول ابن خلدون »هو في عرف خطابهم معناه الداخلي أي الأبعد لأن المغرب كله على ساحل البحر الشامي من جنوبه فالأقرب إلى هنا برقة وإفريقيا (يعني تونس) والمغرب الأوسط تلمسان وبلاد زناته والأقصى: فاس ومراكش، وهو معنى الجواني» فيسأل تيمورلنك «وأين مكان طنجة في ذلك المغرب؟» فقلت «في الزاوية التي بين المحيط والخليج المسمى بالزقاق وهو خليج البحر الشامي».
قال «وسبته؟» قلت «على مسافة من طنجة» وينتهي هذا الحوار الجغرافي حول المغرب بأن يطلب تيمورلنك من ابن خلدون أن يكتب له «بلاد المغرب كلها، أقاصيها وأدانيها وجبالها وأنهارها وقراها وأمصارها حتى كأني أشاهدها. فقلت يحصل ذلك بسعادتك. وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلبت من ذلك الفرض في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشر من الكراريس المنظّفة القطع. ثم أشار إلى خدمه بإصبعه بإحضار طعام من بيته».
بعد هذا يخبرنا ابن خلدون كيف أنه إذ سرى هذا الود بينه وبين تيمورلنك، قرر أن يفاتحه بشيء فقال «أيدك الله لي اليوم ثلاثة وأربعون سنة أتمنى لقاءك. فقال لي الترجمان عبد الجبار، وما سبب ذلك؟ قلت أمرين الأول أنك سلطان العالم وملك الدنيا وما اعتقد انه ظهر الخليقة لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممن يقول في الأمور بانجراف.
فإني من أهل العلم وأبين ذلك فأقول «إن الملك إنما يكون بالعصبية وعلى كثرتها يكون الملك وقدره. واتفق أهل العلم من قبل ومن بعد أن أكثر أمم البشر فرقتان: العرب والترك. وانتم تعلمون ملك العرب كيف كان لما اجتمعوا في دينهم على بنيهم. وأما الترك ففي مزاحمتهم لملوك الفرس وانتزاع ملكهم خراسان من أيديهم شاهد من الملك.
ولا يساويهم في عصبيتهم احد من ملوك الأرض من كسرى أو قيصر أو الإسكندر أو بختنصر. أما كسرى فكبير الفرس ومليكهم، وأين الفرس من الترك؟ وأما القيصر والإسكندر فملوك الروم وأين الروم من الترك؟ وأما بختنصر فكبير أهل بابل والنبط. وأين هؤلاء من الترك وهذا برهان ظاهر على ما ادعيته في هذا الملك.
وأما الأمر الثاني الذي حملني على تمني لقائه، فهو ما كنت اسمعه من الحدثان بالمغرب والأولياء وهو ما كان ابن خلدون سرده حول تنبؤ المغاربة بولادة تيمورلنك ووصوله إلى الحكم وهيمنته على ديار الإسلام. فقال لي «وأراك قد ذكرت بختنصر مع كسرى وقيصر والإسكندر ولم يكن في عدادهم، لأنهم ملوك أكابر وبختنصر قائد من قواد الفرس».
وهنا يشرح ابن خلدون لتيمورلنك مكانة بختنصر. وفيما هم في ذلك الحوار يأتي خبر فتح المغول لدمشق. فحمل تيمورلنك نحو المدينة بعد أن حرمنا من حضرته. ولما بلغ بالقرب منها نزل في تربة منجك عند باب الجابية، فجلس هناك ودخل إليه القضاة وأعيان البلاد ودخلت في جملتهم فأشار إليهم بالانصراف وإلى شاه ملك نائبه أن يخلع عليهم في وظائفهم.
وأشار إليّ بالجلوس، فجلست بين يديه، ثم استدعى أمراء دولته القائمين على أمر البناء فأحضروا عرفاء البنيان المهندسين وتناظروا في أذهاب الماء الدائر في حفير القلعة لعلهم يعثرون بالصناعة على منفذه، فتناظروا طويلاً ثم انصرفوا. ثم انصرفت إلى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك، فأذن فيه.
وأقمت في كسر البيت واشتغلت بما طلب مني في وصف بلاد المغرب ما كتبته في أيام قليلة ورفعته إليه فأخذه من يدي وأمر موقعه بترجمته إلى لسان المغول ثم استمر في حصار القلعة. ونصب عليها الآلات من المجانيق والنفوط والعدادات والنقب، فنصبوا لأيام قليلة ستين منجنيقاً إلى ما يشاكلها من الآلات الحربية الأخرى.
حتى ضاق الحصار بأهل القلعة وتهدم بناؤها من كل جهة.. فما لبثوا أن طلبوا الأمان فأمنهم السلطان تمر ثم ضرب القلعة وطمس معالمها وصادر أهل البلد على قناطر من المال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هناك».