ما بين الاسكندرية والقاهرة تأتى وتذهب الذكريات فى عقل وفكر الاديب محمد جبريل غير ان الذكريات الرمضانية هى المستقرة دائما فى وجدانه ويأتى شهر رمضان الكريم لتلمع وتبرز هذة الذكريات ويكون لها الصدارة فى حديثه طوال الشهر الفضيل.

فقد قضى الاديب محمد جبريل طفولته وجل شبابه فى مدينة الاسكندرية ويتذكر هذه المرحلة من العمر قائلاً سوف تظل ذكريات رمضان فى شوارع الاسكندرية محفورة فى وجدانى فلا يمكن أن انسى ذكريات الايام الجميلة فى حى بحرى بالاسكندرية حيث المظاهر الاحتفالية الباهرة بفرحة قدوم رمضان والانوار المضاءة على المساجد والزوايا والمقامات والأضرحة .

وكان دائما ما يوافق رمضان مولد أبى العباس وطول رمضان يقام به سوق اسمه «سوق العيد» يبدأ من ميدان أبى العباس حتى ميدان الخمسة فوانيس وينتهى السوق بعد العيد فكانت هذة المنطقة فى رمضان مزدحمة ليلا ونهارا ومائدة الرحمن منتشرة فى كل ركن فيها وكنا نحمل الفوانيس ذات الشمع.

ونلف وندور على الجالسين كى يعطونا البقشيش ونحن نغنى «حاللو ياحاللو هات البقشيش ياحاللو» وكنا نسهر فى ابو العباس ونشارك فى صلاة التراويح. ويضيف «جبريل بجانب شقاوة الاطفال كنت استمتع بشكل خاص بسماع الراديو فى رمضان .

ومايزال الراديو يحتل مساحة كبيرة من ذاكرتى فمن خلاله كنت اسمع ألف ليلة وليلة، فقد كان الراديو شيئاً كبيراً بالنسبة لى فلم يكن هناك تلفزيون وكنت اسمع البرامج الدينية وتعودت أن اسمع الشيخ محمد رفعت فى رمضان وغيره كما كان يفعل أبى ، وعن الاناشيد والاهازيج التى التصقت بذاكرة جبريل فى الشهر المبارك.

واصبح لها صداها فى اعماله الابداعية فيما بعد يقول «كان أحد الأطفال يقودنا فى حمل الفوانيس نسعى بها بعد صلاة التراويح نقف أمام كل دكان ونغنى لصاحبه» الدكان ده كله عمار وصحبه ربنا يغنيه ـ وصحبه يوهبنا العادة انصرفنا ونحن نعيد الاغنية، وإذا رفض نغنى .

ونحن نهرب من أمامه ـ الدكان ده كله خراب وصحبه ربنا يعميه ـ كذلك أهازيج السحور التى كانت تبدأ قبل السحور، ويضيف بكل هذه الذكريات سيطر رمضان على العديد من أعمالى فرمضان بعاداته وتقاليده وروحانيته جزء من تكوينى.

ويحضرنى حاليا اننى تعرضت فى روايتى «مد الموج» لرمضان من خلال زكريات الطفولة وأصف فيها ليلة الرؤية وانتظارنا لها فى منتصف الأربعينات، قائلاً: «وجاء مساء الرؤية وانتظر الناس بعد الغروب وبعد العشاء اضاءت مئذنة المسجد إيذانا بشهود الرؤية وقد اكتفوا بالاضاءة عن إطلاق المدافع لظروف الطوارئ.

وزينت المئذنة بعقود مصابيح مرسلة على العالمين ضياء فطاف بالحى وما حوله جماعات مطبلة هاتفة «صيام صيام كما أمر قاضى الاسلام» فقابلها الغلمان بالهتاف والبنات بالزغاريد وشاع السرور فى الحى كأنما حمله الهواء السارى، ويقول عن ليلة القدر: ثم كانت ليلة القدر من الشهر المبارك واحتفلت بها الأسرة احتفالا كبيرا بدءا بالدجاجة المحمرة التى ازدانت بها سفرة الافطار وصينية الكنافة، وكانت ليلة سعيدة وقبل أن تأوى الى الاسرة قبيل الفجر اطلقت صفارات الانذار فارتدوا معاطفهم وهرعوا بين جموع السكن إلى المخبأ». وعما احدثه رمضان من تغيرات فى حياته يقول الاديب محمد جبريل..

شهر رمضان يحمل ميزة عظيمة جدًّا وهي كسر الرتابة، فطيلة أحد عشر شهراً نقوم بأشياء ثابتة طيلة الوقت ونتصور أننا لا نستطيع أن نكف عنها، وعندما يأتي رمضان يكسر هذه القواعد فنمارس العمل دون أن نتناول شاي الصباح أو فنجان القهوة أو وجبة الإفطار وكذلك لا نتناول الغداء في الوقت الذي تعودنا فيه على ذلك وتتغير مواعيد النوم والاستيقاظ، وندهش لذلك .

ونبدأ في التفكير في بقية ما نفعله في حياتنا، فقد يكون ما نفعله طيلة الوقت خطأ، أو أن ما تعودنا عليه في حاجة إلى مراجعة، وهنا تكون القدرة على إعادة النظر في تحمل ما لم نكن نتصور أننا سنتحمله.. ويبدأ الإنسان فتح صفحة جديدة في كل المجالات..

القاهرة ـ محمد الصادق