لم يكن موضوع التنكر بزي أهل البلاد (الأصليين) كما أطلق عليهم هذا الوصف بالنسبة للرحالة الغربي سوى نوع من الخدع التي أتت أكلها أحياناً وجنبته بعض المخاطر حسب زعم أغلبهم، بالطبع رافق تغيير الزي تغيير الاسم واختيار اسم يليق بظروف ومعطيات وأهداف الرحلة.

وسنلتقي في هذه الحلقة مع العديد منهم، ولعل أشهرهم كان لورنس العرب، ومَنْ لا يذكر هذه الشخصية؟ وسير ريتشارد بيرتون وغيرهما، كما نواصل إيراد المؤلفات بلغاتها الأصلية تعميماً للفائدة مع ترجمة لها.

هناك مؤلف للرحالة الإيطالي (كارلو غورماني Guarmani ,Carlo) الذي زار شمال نجد بعد رحلة بالغريف ذفٌهْفًّم بأقل من سنتين (كانت رحلة بالغريف كما مر معنا عام 1862 ـ 1863 ومؤلفه بعنوان شمال نجد خُُّْومَْ خفيل. وكان غورماني قبل زيارته لشمالي نجد قد أقام في مدينة القدس حوالي 12 عاماً يعمل في مكتب البريد الفرنسي.

وإضافة إلى العميلين السابقين اللذين أرسلهما نابليون الثالث باديا وبالغريف، يبدو أنه لم يكتف بذلك، فبعد عامين اثنين أرسل هذا العميل الثالث لنفس المنطقة.

وغورماني رجل إيطالي، ولد في ليجهورن عام 1828، عاش في القدس حتى عام 1850، وكان كلما سنحت له الفرصة يتجول مع قبائل شرق الأردن حتى أصبح خبيراً في الخيل، وتلقى تكليفاً ـ مقابل عمولة ـ ليشتري عدداً من الجياد للإسطبلات الملكية في باريس وتورنتو، فشد رحاله من فوره، مصطحباً معه مدرب خيول مخضرم، «وانتزعت نفسي من أحضان أهلي الحزانى الذين كانوا يعتقدون أنني ماض إلى حتفي باختياري» متجهاً إلى الجزيرة العربية.

وهكذا تحوّل غورماني إلى رجل عربي واتخذ لنفسه اسم (خليل أغا)...ناظر الخيل في اسطبلات باشا دمشق. وكانت علاقاته طيبة مع العديد من شيوخ القبائل في المنطقة، فلم يواجه صعوبات تذكر. وقد تستّر بالاسلام لدخول المنطقة.

وقد سجل غورماني معلومات عن البلاد التي زارها (حائل) التي وصفها بأنها «كانت أكثر أماناً من إيطاليا» وكان الحاكم في ذلك الوقت هو الامير طلال بن الرشيد مشيراً إلى عدالته وكرمه. ويصف غورماني مجلس الامير طلال عند جلوسه للقضاء فيقول إنه «كان يجلس في الجانب الغربي من المسجد.

وعلى يساره يجلس كبار موظفيه حسب ترتيب مناصبهم، صفاً وراء صف. وأمامه يجلس عشرون من الخدم والعبيد على شكل نصف دائرة، الجميع في لباس أنيق بعباءات سوداء وسترات حمراء أو زرقاء موشاة بالذهب، ويحملون كما يحمل الامير خناجر معقوفة في أغماد فضية».

«.. وكانت أول قضية تخص سيدة طاعنة في السن تشكو الحاكم المحلي لأنه استولى على حمار لها بغير حق. وفي الحال أرسل ابن الرشيد جنديين إلى دار الحاكم للإتيان بأحسن دابة عنده وسلمت الدابة للمرأة الشاكية، ثم أمر لها بخلعة من الثياب الجديدة».

ورغم أنه كان قد استمتع كثيراً بوقته في أرض الجزيرة إلا أنه وبحكم تعصبه الفيكتوري (أي الاستعماري النزعة) الاستشراقي الغربي الفوقي، فقد ندد في أكثر من موقع في كتابه ذلك بعادات القوم (الذين استضافوه) .

وسلوكياتهم، رجالاً ونساءً على حد سواء ودون تفهم (أو على الأقل محاولة منه لتفهم طبيعة هذه العادات والتقاليد ودراستها ) ولكنه لم يفته أن يلاحظ جمال المرأة البدوية، «وتلك الخطوط النقية التي تقصر دونها أروع أعمال كانوفا.

.والشعر الأسود اللامع الذي يفوح بعطر فاتن مستمد من مسحوق لحاء النخيل، ومدهون بنوع من الدهن المستخلص من لية الخرفان». وكان غورماني قد أُرسل أساساً من قبل نابليون الثالث للتأكد من صحة التقارير التي وضعها سلفه بالغريف.

كما زار غورماني عنيزة في نجد. وقد عاد من هذه الرحلة إلى دمشق التي وصلها في يونيو من عام 1864 ومنها أكمل طريقه إلى الساحل اللبناني لتقله سفينة مبحرة إلى فرنسا حيث سيقدم تقريره عن الزيارة حيث أمضى عشر سنوات عاد بعدها إلى جنوا في إيطاليا حيث تقاعد وعاش كتاجر موسر وتوفي في العام1884.

وقد قامت الليدي كابل كروLady Caple -Curo بترجمة هذا الكتاب وصدر بالإنجليزية وطبع في لندن عام 1938 كطبعة أولى. كما يمكن الاستفادة في موضوع رحلة غورماني من مقاله المعنون Guarmani.Bulletin de la Société de Géographie, Paris, V,4881، 982-303 وتفيدنا مؤلفات ليتشمان «جمفكوٍفَ» الذي قام برحلة إلى قلب الجزيرة العربية فسجل ما شاهده وما سمعه أثناء رحلته هذه:

Ajourney through central Arabia,The Geographical Journal, Leachman,G. vo1.xl111,1914.PP005.-025.

ولأرنست روبرت تشيزمان »َْمَُّّ زُقمُّْ وممٍَّفَ» الذي قام برحلة في جزيرة العرب فكتب ما شاهده ولاحظه وسمعه من روايات...الخ في مؤلف سماه: (في جزيرة العرب غير المعروفة) مع تقديم كتبه السير برسي كوكس.

.«In Unknown Arabia with a foreword by major General Sir Percy Cox.London Macmillan co744.6291®ِ.

وتشيزمان كان ضابطاً بريطانياً قام بزيارة لجزيرة العرب فألف هذا المؤلف. كما له أيضاً مقال بعنوان ( صحراء الجافورة وجبرين ) نشره في المجلة الجغرافية بلندن:

The Desert of Jafura and Jabrin.The Geographical Journal, vo1.lxv,1529 .

ولمعرفة وجهة نظر الرحالة الأجانب الذين زاروا الجزيرة العربية، ولمعرفة شيء عن أهداف هذه الرحلات وما يحملونه ويكنونه في نفوسهم، نرجع إلى مؤلف لـ (أريك روزنتالRosenthal,Eric )

وهو يتحدث فيه في الحقيقة عن رحلة قام بها الرحالة ( هادلي تشيرشوارد Hedley Churchward، وهو رجل كنسي بريطاني ورحالة مغامر قام برحلة إلى مكة المكرمة ثم أسلم وتسمى باسم محمود مبارك:

Rosenthal ,Eric

«From Drury Lane to Mecca of Strange life and adventures of Hedley Churchward, also Known as Mahmoud Mobarek

Churchward an English convert to Islam.Told by Eric Rosenthal,London , 1391.

كان تشرشوارد قبل قيامه برحلته تلك، يعمل مصمماً للمناظر المسرحية في ثمانينات القرن التاسع عشر. وحاز على شهرة في هذا المجال خاصة في المسارح الملكية.

يقول عنه بيدول في كتابه (رحالة في بلاد العرب)، إنه بعد توجهه إلى المغرب في مهمة، اعتنق هناك الإسلام، ثم استقر في القاهرة مع زوجة مصرية مسلمة. ودرس الفقه في الأزهر، وحصل على ثقة أرفع السلطات الدينية في مصر. وفي عام 1910 أدى فريضة الحج.

وهناك مؤَلّف يهتم بالتاريخ الديني للجزيرة، وبخاصة الحج والحجاج والشؤون الدينية وهو للرحالة والمستشرق الفرنسي (ناصر الدين دينييه Dinet, Nasir AL-Dine) وهو بعنوان: Le Pelerinage a la Maison Sacree Allah.Paris, Haehette .

والمستشرق الفرنسي المسلم دينييه (1861 -9291)، تعلم في فرنسا،وقصد الجزائر، فكان يقضي في بلدة بوسعادة نصف السنة من كل عام، وابتنى بها قبراً، وأشهر إسلامه وتسمى بناصر الدين سنة 1927.

وحج إلى بيت الله الحرام 1928. ومن آثاره، محمد في السيرة النبوية ( نشر بالفرنسية والإنجليزية مزوداً بصور ملونة بريشة المؤلف )، وله بالفرنسية حياة العرب، وحياة الصحراء، وأشعة من نور الإسلام، والشرق في نظر الغرب، والحج إلى بيت الله الحرام (وهو المذكور في البداية) وقد ترجمت أغلب كتبه إلى العربية.

وللرحالة البريطاني سير ريتشارد فرانسيس بيرتون سيْ زيكوفْل ئْفَكيَّ َُُِّّْ العديد من المؤلفات المهمة والتي لا تخفى على المهتمين بهذا المجال، منها كتابه : «مناجم الذهب في مدين والمدن المدينية الأثرية» .

شوم اٌُل حىnes of Midian and the Ruined Midiante Cities.London, C.K. Pauland.co8781.. كما كتب كتاباً دوّن فيه ملاحظاته وانطباعاته عن رحلته من مصر إلى مكة المكرمة Personal Narrtive of Pilgrimage to AL-Madina and Meccah, London, 3981

صدر بثلاثة أجزاء مترجماً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الألف كتاب وبترجمة غاية في الدقة والروعة وبهوامش وبشروحات مهمة أضافها المترجم الأستاذ الدكتور عبدالرحمن عبد الله الشيخ.

وباستثناء توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب)، لم يحظ أحد من الرحالة الإنجليز الرواد في البلاد العربية بمثل هذا العدد من الكتابات عن تاريخ حياتهم مثل بيرتون، وقد صدر أول كتاب عنه قبل عشر سنوات كاملة من وفاته.

ويكفي أن نعرف أن بيان التعريف فقط بمؤلفاته وكتاباته يشغل أكثر من 300 صفحة، وأن أعماله تملأ صفحات ستين مجلداً كاملاً، تناول فيها موضوعات متنوعة عن البدو والبداوة، منها: الصيد بالصقور.

والتنقيب عن المعادن واستخراجها (الكتاب السالف الذكر)، والتدريب على استعمال الأسلحة، وعلم الآثار، والتعامل مع الثعابين، والطب، والهندسة الميكانيكية، وتسلق الجبال، والأديان، والجنس.. والخ.

وقد وصف رحلاته في جميع قارات الأرض ماعدا استراليا. وحول أفريقيا وحدها وضع 13 كتاباً يصل مجموع صفحاتها إلى 4600 صفحة. غير أن بلاد العرب ظلت تمثل بالنسبة له ـ كما قال هو نفسه ـ «أرض أحلامي».

كانت أمه كما تقول تنحدر من سلالة ابن غير شرعي للملك الفرنسي لويس الرابع عشر ومع أن أباه كان ضابطاً بالجيش إلا أنه كان يتردد في أكثر من مكان أن أسرة بيرتون تجري في عروقها دماء غجرية!

في أكتوبر 1842 وصل بيرتون إلى بومباي كملازم ثان في خدمة شركة الهند الشرقية. سرعان ما أبدى مهارة فائقة في تعلم اللغات. ولم يكن يكتفي بمجرد التكلم باللغة التي يتعلمها بل كان دائماً يميل إلى انتحال شخصية واحد من أهل هذه اللغة.

في خريف 1852 عرض بيرتون خدماته على الجمعية الجغرافية الملكية (التي جاء بدعم مالي منها ومعنوي أو على الأقل تحت هذا الغطاء أغلب الرحالة والجواسيس الإنجليز على وجه الخصوص) بهدف «إزاحة الخزي عن روح المغامرة العصرية.

والمتمثل في تلك الرقعة البيضاء الممسوحة على خرائطنا - على حد قول بيرتون نفسه - والتي مازلنا نعبر بها عن الأقاليم الشرقية والوسطى من شبه الجزيرة العربية» وكانت خطته أن ينزل في مسقط، ومن هناك يشق طريقه عبر الربع الخالي إلى مكة والمدينة.

في أبريل 1853 غادر بيرتون ميناء ساوثهامبتون متوجهاً إلى مصر، وبعد أن قضى أياماً في الإسكندرية والقاهرة منبهراً بالشرق الذي وجد فيه نقيضاً «للحياة المفعمة بالحركة والقلق والانفعال في أوربا. ففي الشرق لا يحتاج المرء إلا للراحة، والظل، على ضفة نهر رقراق أو تحت ظل وارف لشجرة عطرية الأوراق».

وفي السويس وجد لنفسه مكاناً في مركب متجة إلى ينبع، ميناء المدينة المنورة. زار بعدها المدينة ثم وصل إلى مكة المكرمة في 11 سبتمبر 1853 وأدى مناسك الحج. وهي الرحلة التي دونها في كتابه المشار إليه والمترجم إلى العربية كما سبق أن ذكرنا.

كان بيرتون يكتب كثيراً، وبسرعة فائقة. ولكن كتبه تحتوي على ثروة لا حد لها من المعلومات وستظل ترجمته الغنية بالهوامش والحواشي لكتاب ألف ليلة وليلة في 16 جزءاً عملاً بارزاً في المكتبة الغربية. وقد منح سنة 1886 نوط الفروسية ولقب سيرَّيْ.

وحين انصرف في شيخوخته إلى الترجمة والكتابة كان يعود دائماً في مخيلته إلى الجزيرة العربية «التي بدا لي حين رأيتها المرة الأولى وكأنني أعرفها من قبل» .

ويجدر بنا ألا ننسى ونحن نعرض لمؤلفات بيرتون أنه كان إمبريالياً بامتياز فهو لم يَنْسَ طبعاً أن يحلم بأن يمتد الحكم البريطاني إلى الجزيرة العربية، ولذلك قدّم اقتراحات كثيرة في كتبه حول «اكتساب البدو» وتجنيدهم في خدمة الامبرطورية التي لا تغرب عنها الشمس .

حيث يمكن أن يشكلوا «فرقة ممتازة من المشاة» ففي نهاية الأمر كان بيرتون إمبريالياً بلا حدود، متعالياً ومتواضعاً، لطيفاً وقاسياً، وليس معروفاً إلى الآن إن كان قد اعتنق الاسلام لكنه لم يشهر إسلامه خوفاً من الحملة التي قامت عليه في لندن لمجرد أنه ادعى ذلك.

* داوتي

كما يمكن الإفادة من رحلة الرحالة البريطاني تشارلز داوتي Ch. M Douty, بعنوان (رحلات في صحراء بلاد العرب، جزءان) Travel in Arabia Deserta, Cambridge,8881.

وفيها وصف لجزيرة العرب وأحوال السكان والعادات في هذه البلاد، وكان قد أقام في حائل مدة ثلاثة أسابيع في أكتوبر ونوفمبر من عام 1877، وقدم وصفاً عن حائل والسكان وعددهم، كما قدّم وصفاً لقصور المدينة وبيوتها ومدارسها والحياة الاجتماعية فيها.

في المقدمة التي وضعها تي.إي.لورنس (لورنس العرب) للكتاب يقول: «ليس من المريح إطلاقاً أن يضطر المرء للكتابة عن صحراء العرب. لقد درسته طوال عشر سنوات، ومع الوقت توصلت إلى قناعة بأنه ليس كتاباً مثل بقية الكتب بل هو سيد في الكتب من هذا النوع» ولا عجب في ذلك إذا علمنا أن لورنس قد اتخذ من هذا الكتاب إنجيلاً له ودليلاً.

وهو الكتاب الوحيد الذي أخذه معه حين جاء لأداء مهمته في الشرق بين العرب وليكون داوتي مثله وملهمه. ويمضي لورنس في مبالغته، كمثل كل من يطلب منه أن يضع مقدمة ما لكتاب ما، إلى أن يقول:

«الحقيقة أن المرء يصاب بصدمة حين يعرف أن داوتي رجل واحد حقاً، وأنه يعيش بيننا، أما الكتاب فلا تاريخ له ولا يمكن أن يشيخ. إنه أول كتاب عن عرب الصحراء وعلى كل طالب علم في شأن الجزيرة أن يقتنيه».

كذلك لداوتي كتاب آخر بعنوان:Wanderings in Arabia ,London,1939. كما نشر عدة مقالات عن شمال الجزيرة العربية و نجد تحت عنوان:Travels in North-Western Arabia and Najd proceeding of Royal Geographical Society, 2nd Series vo4881.61.

وقد اتخذ داوتي بطبيعة الحال لنفسه اسماً عربياً هو (خليل). وتشهد كتاباته على مدى تعصبه لمسيحيته التي كان يحاول أن يظهرها قدر استطاعته، حتى وهو في طريقه إلى مكة المكرمة، ولذلك فلا يُستغرب أنه قد تعرض للكثير من الإهانات. ومع ذلك فلولا حلم وحماية الأمير محمد بن الرشيد له حينئذ لكان قد لقي حتفه.

تأليف: عمار السنجري