ولد الشيخ زكريا أحمد عام 1883 من والد عالم جليل هو الشيخ أحمد حسن الملاحظ في الجامع الأزهر آنذاك و كان من حفظة القرآن الكريم ألحقه أبوه بأحد الكتاتيب ثم طالبا في الأزهر فتزود الولد بمحاسن المعرفة واكتسب لقب الشيخ أي العارف بأسرار الدين الإسلامي الحنيف.

ينتمي زكريا أحمد إلى أسرة قبيلة مرزبان ببلدة سنورس بالفيوم. نزح أبوه إلى القاهرة طلباً للعلم في الأزهر الشريف معتقداً أن هذه دعوة من السيدة زينب رضي الله عنها في رؤية منامية.

واشترك في ثورة عرابي، ولما أجهضت الثورة انطوى على نفسه وترك الدراسة في الأزهر وظل يتخبط حتى وجد وظيفة في الأزهر فتزوج بزوجة ثانية في القاهرة لأن زوجته الأولى في الفيوم لم تنجب.

عندما أنجبت الزوجة الثانية ولداً، استخار الله في اسمه بأن فتح المصحف الشريف، فإذا به أمام الآية الكريمة التي تقول على لسان نبي الله زكريا «قال يا رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر....» إلى آخر الآية الكريمة، فسمى المولود زكريا.

تلقى زكريا أحمد تعليمه الأول في كتاب «الشيخ فلكه» بحي الحسين، ثم التحق بالأزهر الشريف وظل به ستة أعوام حفظ خلالها القرآن الكريم والقراءات السبع وقد جرت عادة الأزهر وقتئذ أن يحتفل الطلاب والمشايخ بإنجاز قراءة كل كتاب من كتب التدريس.

وكان الاحتفال يجري على الطريقة التالية يجلس التلاميذ في حلقة مستديرة ثم ينتخب من بينهم تلميذاً مشهوداً له بإتقان تلاوة القرآن فيتلو ما تيسر وتختتم بذلك الحفلة وكان الشيخ زكريا هو المبرز دائماً في هذه الحفلات فكم من مرات عديدة قرأ العشر وترنم في تلاوته بصوته الجميل وانتزع إعجاب مشايخه وتلاميذهم وكان الشيخ زكريا فخوراً باستماع الناس إلى جمال صوته وحسن أدائه.

ترك الشيخ زكريا أحمد الأزهر إثر مشادة عنيفة مع بعض مشايخه وبدأ يتردد على محافل الفن ينمي هوايته ويثريها، فتتلمذ على يد الشيخ سيد موسى خادم القصة النبوية، والشيخ درويش الحريري، والشيخ علي محمود العملاق في أصول فن الموسيقى.. وبعد الحرب العالمية الأولى اتصل بالشيخ سيد درويش وصار صديقاً له. وأخذ يجوب مدن مصر وقراها قارئاً القرآن الكريم ومغنياً ومنشداً.

وفي الحقيقة إن الشيخ زكريا أحمد كان الأقرب أن يكون مطرباً وملحناً وفناناً ذا شهرة كبيرة في العالم العربي ولذا فإن محاولات والده في سبل الدراسة كانت عقيمة وغير مجدية فالفتى زكريا حينما كان يسمع درس الجغرافيا أو التاريخ أو الفقه لا يعلق بذهنه شيء ولكنه حينما يسمع أغنية أو موالاً لمرة واحدة كان يحفظها ويرددها في الحال.

وكانت الكتب الموسيقية التي كان يشتريها يضع لها أغلفة دينية أو لغوية وقد وضع غلاف الفقيه ابن مالك على كتاب مفرح الجنس اللطيف وعندما سأله والده ذات ليلة عما يدرسه قال له الفقيه ابن مالك .

ولما تبين الوالد كذبه قسا عليه بشدة مما دفع بالولد للهرب من البيت وكره الحياة فخرج من المنزل لا يلوي على شيء وهام على وجهه في الشوارع وبعد أيام قام الأهل والأصدقاء بدور الوسيط بين الولد ووالده.

عاد الشيخ زكريا إلى منزل والده فقام الوالد بنصيحته وتوجيهه وقلبه يتقطع أسى وحسرة على ولده الذي ينحرف عن طريق العلم والأمان فقال له «يا بني الفن لا يوكل عيش وهاهو عبده الحمولي سلطان الطرب مات .

ولم يترك لولده ما يتعلم به وهاهو محمد عثمان سيد من غنى وسيد من لحن وسيد من أحيا حفلات الطرب لم يجد أهله في بيته ساعة موته تكاليف الجنازة التي ستنقله إلى دنيا الخلود وهاهو محمد سالم العجوز الذي عاش أكثر من مئة عام والدنيا تصفق له.

والذهب يجري بين يديه لم يتمكن في بعض الأحيان من دفع ثمن الدواء الذي لا يتجاوز بضعة قروش فأقلع يا بني عن فكرة الفن وعد إلى دراستك راشداً لتؤمن مستقبلك على أحسن وجه وأسلم حال» ولكن أين مكان النصيحة من فكر زكريا والفن قد طغى على نفسه وروحه وسائر حواسه.

* حياة غير هادئة

ولم تكن حياة هذا الفنان في تلك الفترة من حياته هادئة ولا مستقرة ولا ناعمة فقد ماتت والدته وتزوج والده وكانت الزوجة الجديدة بالرغم من تظاهرها بالعطف على زكريا تكيد له المكائد وتسود صفحته عند والده وأخيراً استسلم الوالد للأمر الواقع وسار الشيخ زكريا في طريق الفن علناً فكان يزور المسارح والأجواق ليسمع.

ويتعلم كل ما يسمعه وقد هيأ له القدر اجتماعاً بالموسيقار الشيخ درويش الحريري الذي أحب تلميذه زكريا وأفاض عليه مما وهبه الله من فنون وعلوم ومعرفة من هذا الفن الجميل وأول دروسه كانت ألحان المولد النبوي وما تحتويه من تقلبات الأنغام وتنقلات الأوزان فبرع في تلقيها وأدائها واشتهر بها وقدم الشيخ درويش لزكريا خدمة لا تقدر بثمن وذلك عندما ألحقه ببطانة الشيخ علي محمود الذي كان إلى جانب معرفته الموسيقية .

وفن قراءة القرآن من هواة الأذان والتسابيح والاستغاثات التي تتلى قبل الفجر في مسجد الحسين وكانت تؤدى على نهج خاص ونغمات معينة، فنغمة يوم السبت كانت العشاق، ويوم الأحد الحجاز، أما يوم الاثنين فنغمته السيكاه إذا كان أول اثنين من الشهر وبياتي إذا كان ثاني اثنين، وحجاز إذا كان ثالثه وشورى على جهار كاه إذا كان رابع أو خامس أيام الاثنين ويوم الثلاثاء سيكاه.

والأربعاء جهار كاه، والخميس رست، والجمعة بياتي وتلقى عن الشيخ إبراهيم المغربي أصول تركيب الألحان وعلم النغمات وضروب الإيقاع كما تلقى عن الشيخ محمود عبد الرحيم المسلوب الموشحات العربية وحفظ أيضاً أدوار عبده الحمولي ومحمد عثمان وإبراهيم القباني ثم تعلم أصول التدوين الموسيقي النوطة .

وبدأ رؤساء التخوت الغنائية تتهافت على اكتساب هذا العنصر الجديد في عالم الغناء والطرب من تلك الفرق نذكر فرقة الشيخ أحمد الحمزاوي والملحن الشيخ سيد مرسي والشيخ إسماعيل سكر رئيس قراء قصة المولد في القاهرة والشيخ علي محمود وهكذا أصبح الشيخ زكريا في بداية الطريق الذي جاهد من أجله وغدا موضع إعجاب سائر الأوساط الفنية الموسيقية في القاهرة.

وفي أثناء ذلك تعرض الشيخ زكريا إلى ضائقة مالية كادت تزحزح كيانه فقام أصدقاؤه يبحثون له عن مخرج من تلك الأزمة الخانقة وعرض عليه أحدهم تقديم بعض الألحان الطقاطيق لشركة اسطوانات بيضافون فاعتذر الشيخ زكريا لرهبته من المعركة للمرة الأولى فأصر الأصدقاء أمثال الشيخ علي محمود والشيخ درويش الحريري وتعهدوا له بإصلاح ما يخطئ به في ألحانه.

وذهبوا في اليوم التالي إلى الشركة المذكورة وتعاقدوا معها على إملاء الاسطوانات وبعد أن تم العقد بينهم خرج كل منهم وفي جيبه خمسة عشر جنيها لحن الشيخ زكريا خمسا وستين أوبرا وأوبريت وكان أجمل وأقوى إنتاج هو ما لحنه بين عامي 1924 و1930 فلحن لفرقة علي الكسار دولة الحظ في نهاية عام 1924 .

ولحن في عام 1925 روايات الغول وناظر الزراعة وعثمان حيخش دنيا والطنبورة والخالة الأميركانية وابن الرجا وفي عام 1926 لحن روايات 28يوم وأنوار وآخر المودة نادي السمر وأبو زعيزع والوارث وحكيم الزمان وكان كل هذا لفرقة علي الكسار كما لحن لفرقة زكي عكاشة رواية علي بابا والأستاذ.

ولحن لفرقة علي الكسار أيضاً 1927 ملكة الجمال وقفشتك وابن فرعون وزهرة الربيع والساحر أبو فصادة وحلم ولا علم والسكرتير وغاية المنا وخمسة مليون ولحن للريحاني ياسميتة ثم البلابل عام 1928 والسكرتير.

وفي عامي 29 و1930 لحن للكسار أيضا العروسة والعيلة ومين فيهم ومافيش منها وابن الأومباشي وطاحونة الهموا وملكة الغابة ولحن لفرقة صالح عبد الحي لحن قاضي الغرام وعيد البشاير والهادي وتضمنت هذه الروايات ما يزيد على خمسمائة لحن بلغت أكثرها قمة النجاح والشهرة.

عادل السنهوري