كما اسلفنا القول في الحلقة السابقة فإن جرأة عبد الحميد في طرح القضايا زادت من شهرته، حيث أمضى عقدا من الزمان «مع الناس» يتابعه القراء يوميا على صفحات «البيان» من خلال ركن صغير تميز بأسلوب بسيط، ساخر وناقد معا شهرته تجاوزت حدود الإمارات لتمتد إلى الوطن العربي.

ونستكمل اليوم الحوار معه في حلقته الثانية والاخيرة حيث يتناول العديد من المحاور ابرزها مكانة الصحافة امام منافسة التلفزيون ورأيه في خريجي الاعلام من ابناء الدولة في الجامعات المختلفة.

* يوجد عدد من كليات الإعلام في جامعات الدولة تخرج سنوياً أعداداً من الإعلاميين ما تقييمك لهؤلاء الخريجين؟

ـ أغلب الخريجين من طلبة الإعلام يكتنفهم الضعف في مستوى الكتابة الصحافية ويحتاجون إلى تدريب عملي وواجبنا تدريب هؤلاء بعد التخرج ومراقبة تطورهم.

ومن لم يتطور عليه إيجاد فرصة أخرى، وليس كل من درس إعلاما يتخرج صحافيا وكثير من غير الخريجين تفوقوا على الخريجين، وأنا لا أنتقد البرامج التدريسية في الجامعات لكن التدريب العملي ينبغي أن يكون جزءا من المنهاج الدراسي.

ففي أميركا يعمل الطالب مدة سنة في صحيفة وهو يدرس كي يكتسب الخبرة العملية والمهارات اللازمة للعمل الإعلامي. وعلى الجامعات أن تلزم في منهاجها الطالب العمل في الصحف ويكون ذلك كساعات معتمدة له من أجل التخرج، كما يجب على جميع كليات الإعلام توفير استوديوهات ومطبوعات خاصة. الطلبة يعملون على إصدار صحيفة يومية بجهودهم الذاتية، لذا فإن التغيير في المنهاج مطلوب في كليات الإعلام.

* ماذا تنصح طلبة كليات الإعلام؟

ـ وقود الصحافة القراءة والاطلاع ومتابعة تطورات الأحداث المختلفة، فإذا كان الطالب لا يحب الإعلام فلا يضيع وقته، وإذا كان لا يقرأ فلن يصبح صحافياً جيدا وإذا كان لا يحب القراءة، فمن الأفضل أن يختار تخصصا آخر. لأن مهارات الصحافة غير موجودة في الكتب، وإنما هي مهارات شخصية، مثل الانفتاح تجاه الآخر، وفن الاتصال بالآخرين.

وفن الحوار والحديث، فن الجدل، واللباقة، مهارات الاستماع، الذوق، الابتسامة، لذلك على الصحفي صقل شخصيته بما يتناسب وهذه المهنة، ولابد أن ينمي مهارات البحث، لأن كارثتنا في الصحافة العربية، عدم قيام الصحافي بإجراء بحوث من أي نوع قبل أن يتناول القلم ليكتب رأيا أو خبرا، وهذه مهمة جدا في الميدان الإعلامي.

* أنت واحد من مؤسسي اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ما رأيك بواقع الاتحاد اليوم؟ والأدباء أيضا؟

ـ واقع الاتحاد جيد مقارنة بما هو موجود في الدول العربية، لكنه يعاني كباقي جمعيات النفع العام في الإمارات، سواء من الناحية المادية أو التنظيمية، كما يوجد تراجع في الحياة الثقافية بشكل عام، ونحن نعيش حالة انكسار ثقافي في الوطن العربي وهذا ينعكس على الإمارات أيضا، لذلك تراجعت الكتابة الإبداعية وزادت الأمية وبشكل عام نحن في حالة تراجع.

وفي أوروبا يحظى الأدباء باحترام وتقدير سواء من الجهات الرسمية أو الشعبية. وسأروي قصة قصيرة جدا حدثت معي في أحد المصارف التي كانت تتعامل معي بكل احترام، حدثت تطورات إدارية في المصرف وتغير العاملون فيه وجيء بجيل جديد، وللأسف أصبح التعامل معي كالغريب، وسألت الموظف الجديد لماذا تغير أسلوب المعاملة؟

أجاب: توجد معاملة خاصة للأشخاص المهمين، و سألته من هؤلاء المهمون؟ أجاب: الشخص الذي يكون رصيده نصف مليون وأكثر يعامل معاملة خاصة!

ويكفي هذا المثال للدلالة على معايير تقدير الأشخاص، فقد تغيرت هذه المعايير لدى الجيل الجديد وأصبح المعيار هو المال وليس الكفاءة أو الثقافة أو العلم.

* الإقبال على العمل التطوعي ضعيف جدا بماذا تعلل ذلك؟

ـ الناس مشغولون بأمور وأعمال خاصة وغير متفرغين للأعمال التطوعية وذلك نتيجة التغيير الذي حصل في المجتمع، مناهجنا تراجعت.

وثقافتنا وفهمنا للمفاهيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية السليمة تراجعت، فقيمة العمل وأخلاق التضحية والتطوع تراجعت، القيم الجميلة ومنها العمل التطوعي تراجعت، حتى أن نظرتنا للعمل أصبحت وضيعة، ففي الغرب العمل التطوعي هو قمة الرقي في السلوك الإنساني وعندنا هو مجرد مضيعة وقت..

* يقول المثل «فرخ البط عوام» و«ابن التاجر تاجر» فهل ابن الإعلامي إعلامي؟

ـ ليس بالضرورة وعادة الأبناء يتأثرون بالمحيط العائلي، لكن في هذه الأيام فانك تعلم ولدك أشياء، والتلفزيون يعلمه أشياء أخرى، والشارع أيضا يعلمه لذلك ترى الجيل مشتتا بين جهات عدة وأمامه فرص مختلفة.

* ابتعاد الجيل الجديد عن الكتاب واقترابه من الإنترنت هل تعتبر ذلك ظاهرة صحية؟

ـ يبقى الكتاب وسيلة المعرفة الأساسية وجميع ذخائر العلوم والآداب والفكر والأخلاق موجودة في بطون الكتب، وفي المستقبل يبقى الكتاب هو المرجع، لذا يجب تشجيع الجيل على القراءة، فالكتاب له فوائد عدة ليس للمعرفة فقط، بل للتهذيب أيضا.

وإذا أحسنا استخدام الإنترنت بشكل جيد وبطريقة حضارية فإنه يثري معلوماتنا، ولكن الإنترنت لا يغني عن الكتاب، والموضوع يتعلق أولا وأخيرا بكيفية استخدامنا للانترنيت ولأية أغراض.

* إذا طلب من عبدالحميد أحمد أن يلخص حياته الإعلامية ماذا يقول؟

ـ أشعر برضا تام عن حياتي الإعلامية والمهنية ولا شك أنها حياة مليئة بالتجارب المفيدة، كما أن التجربة الإعلامية طورت شخصيتي، وواجهتني عثرات تمكنت من تجاوزها، ولدي رضا تام عن هذه المهنة.

وفخور جدا لأنني تدرجت في السلم الإعلامي وقد مرت علي 25 سنة حتى وصلت إلى رئيس تحرير، وهذه المراحل مهمة جدا لاستيعاب العمل الإعلامي بجميع مراحله. خاصة عندما تكون في موقع متقدم في الصحيفة تثري هذه الخبرة حياتك العملية.

ففي البداية جئت إلى الصحافة من باب الكتابة، وقد استفدت من الصحافة في موضوع الكتابة اليومية وعلمتني احترام الكلمة التي اكتبها والتي أقولها وهي أمانة علي احترامها وان لا أساوم عليها أو أتاجر بها، وفي تاريخي الصحافي كله أفتخر والى اليوم بأنني لم أساوم على شيء في عملي الصحافي، ولم استخدم قلمي لأي غرض شخصي وهذا رصيدي في حياتي المهنية.

* توقفك عن كتابة الزاوية اليومية باللغة العربية ترك فراغا لدى القراء، هل ترك ذلك أثرا سلبيا في نفسك؟ وهل يمكن العودة للكتابة اليومية؟

ـ الكتابة اليومية هي حياة للكاتب يتجدد فيها يوميا وتجعله على اتصال يومي مع القراء، ويعبر من خلالها عن رؤيته وأفكاره المختلفة، وتأتي أهميتها في التواصل مع القراء والأحداث معا، ويحز في نفسي التوقف عن الكتابة اليومية لقد علمتني الكتابة اليومية أشياء عدة، أهمها الاطلاع المستمر وبشكل جيد والحذر من فهم خاطئ لأي موضوع أتطرق إليه.

وعلمتني أن أكون دقيقا في استخدام الكلمات، وعلمتني قبل أن أكون مفيدا للقارئ أن أكون ممتعا له وهذه عملية شاقة وليست سهلة، فيجب اكتشاف الطعم الذي تصطاد به القارئ وتشوق لديه القراءة ولاشك في أن الزاوية اليومية تحتاج إلى تحضير وهاجس على مدار الساعة، إذ أن للزاوية تأثير كبير وصدى لدى الناس، وأي كاتب جاد يتمنى العودة إلى الكتابة.

* أيهما أحب إلى نفسك إدارة مؤسسة إعلامية أم الكتابة اليومية ولماذا؟

ـ الكتابة اليومية من دون تردد لأن الإدارة الإعلامية صداع وقيد، بينما الكتابة اليومية متعة وحرية.

* كتب عن العولمة الكثير بين مؤيد ومعارض ما رأيك فيها؟

ـ اليوم ونتيجة للتطور المذهل الموجود في العالم بما يتعلق بوسائل الاتصال والمعرفة وتدفق التجارة والسلع، لا يستطيع أي شعب الانزواء ويجب أن يعترف بالتغييرات وينفتح عليها بشكل ايجابي وإلا تخلف عن الركب.

ويتطلب منا الانفتاح الايجابي أن نحمي التراث والثقافة، ونأخذ في الوقت نفسه ما يجعلنا جزءا من العصر لا عبئا عليه، والآن في بريطانيا يدور حوار مطول حول إغلاق مواقع الصور الجنسية البشعة على الانترنيت، فحماية أخلاقنا وتراثنا لا تتعارض مع مواكبتنا للتغيرات العلمية والتكنولوجية.

* هل اللغة العربية في خطر؟

ـ في الإمارات نعم اللغة العربية في خطر، وخلال عشر سنوات سوف نجد أبناءنا المتحدثين بالعربية في انحسار نتيجة الخلل في التركيبة السكانية. ففي المدرسة والشارع والعمل والسوق يتحدثون الانجليزية، ونتيجة للعولمة نضطر للتحدث والتعامل بالانجليزية. لكن بشكل عام وعلى الصعيد العربي فإن اللغة العربية ليست في خطر.

*أخيرا ما هو طموحك؟

ـ طموحي أن أتفرغ للقراءة والكتابة، وهذا حلم حياتي، لكن هذا الحلم لن يتحقق الآن لأنني مضطر للعمل.