حتى اليوم لا يزال ثمة في مصر وربما خارجها أيضا، سجال عن الدور الحقيقي الذي لعبه الخديوي المصري إسماعيل في تاريخ مدينة القاهرة فهو إذا كانت ارتبطت باسمه مشاريع تحديثية مثل قناة السويس ومبنى الأوبرا وشق الجادات والشوارع على طريقة هوسمان، فإن اسمه أيضا ارتبط بإفلاس مصر وديونها التي تسببت في فرض السيطرة الأجنبية عليها.
وهنا يحاول الباحث الفرنسي اندريه ريمون أن يطل على قاهرة إسماعيل ومصر وانجازاته عبر نظرة منصفة تقول ما كان لإسماعيل وما كان عليه، إلى الخديوي إسماعيل (18791863 يعود الفضل في وضع مخطط مدروس يهدف إلى جعل القاهرة مدينة حديثة، والمباشرة في تنفيذ هذا المخطط، ففي مشاريع هذا الخديوي التحديثية.
والتي لم تخل من بواعث عقدة العظمة ومن السذاجة التي عرف المقاولون الأوروبيون والمغامرون كيف يستفيدون منها على حساب مصر، كانت هناك مسألة توسيع القاهرة وتجميلها، كانت المشاريع تريد للعاصمة المصرية أن تضحي واجهة مجد سيطال البلد كلها.
منذ بدايات عهده أبدى الخديوي ميله إلى التقدم التقني عبر انجاز ما كان أسلافه من الحكام قد خططوا له فقامت شركة ذات رساميل وموظفين أوروبيين لتكلف في العام 1865 بضبط عمليات توزيع المياه في مدينة القاهرة ولكن التوزيع الفعلي لم يبدأ إلا في العام 1875.
وكذلك حصلت شركة «ليبون» في الوقت نفسه على امتياز تزويد المدينة بالغاز وبدأت إضاءة المدينة بالفعل في العام 1882...
وكانت تمت إنارة 70 كلم من الشوارع والساحات بوساطة نحو 2450 مصباحا وفي الوقت نفسه جرى الشروع بشق قناة السويس كما أن شق قناة الإسماعيلية (18661864 سمح بالتفكير في تطوير المدينة ولا سيما فيما يتعلق بمناطقها الجديدة القائمة إلى الشمال والى الشمال الشرقي من القاهرة.
وبعد ذلك بفترة، راحت مخططات إسماعيل القاهرية تتخذ مظهرا استعراضيا وأكثر ضخامة. فإذا كان صحيحا أن الخديوي كان وحتى قبل الرحلة التي قام بها إلى باريس في العام 1867 (لمناسبة معرضها الدولي).
قد فكر بتحديث عاصمته فإن ما لا شك فيه أن زيارته لباريس واطلاعه على منجزات هوسمان العمرانية، التي كانت تعيش أوج نجاحها عند ذاك، قد أعطيا مشاريعه انعطافاتها النهائية. فهو ما أن عاد إلى القاهرة .
وبدأ يفكر في أن يضفي على عملية افتتاح قناة السويس في العام 1869، هيبة عالمية طنانة رنانة، حين قرر رفع عاصمته إلى مستوى الصورة التي كان يريد للعالم أن بنظر بها إلى مصر: صورة البلد الحديث، وكان من الطبيعي للفترة الزمنية القصيرة التي حددها الخديوي لانجاز هذا العمل، أن تمنعه من التفكير في الوقت نفسه بإعادة تشكيل المدينة القديمة.
أما ما كان في وسعه انجازه فانه لم يكن على أية حال أكثر من محاولة إضفاء واجهة غربية على جانب من المدينة، يمكنه أن يحدث في ضيوفه الأوروبيين تأثيرا ما وعلى هذا النحو فقط، تحددت سمات مشروعه وحدوده.
مهما يكن فان العاملين المتوفرين امتلآ بنشاط مدهش وأما المسؤول الذي اختير للقيام بذاك العمل الكبير فكان واحدا من ابرز شخصيات القرن التاسع عشر في مصر: علي باشا مبارك، الذي كان في الوقت نفسه وزيرا بارزا للتعليم ومؤرخا مشهورا والحال أن المشروع الذي اعتمد للمدينة كلها كان مستلهما مباشرة من انجازات هوسمان الباريسية:
شبكة من الطرقات المشقوقة تصل في ما بينها، واستكمال السكة الجديدة حتى الصحراء شرقي القاهرة بيد انه لم يكن ثمة مفر من وقف الجهد على منطقة محددة تقع أصلا إلى الشمال الغربي من المدينة القديمة بين طريق بولاق ومصر القديمة (شارع القصر الصيني حاليا)، وباب اللوق وضفة النيل، أي ما يغطي مساحة تبلغ 250 هكتارا.
وفي تلك المنطقة تم تخطيط الشوارع والأرصفة بعد أن قدم الخديوي للبناة ما يلزمهم من الأراضي، ثم ما إن خططت الشبكة حتى بدأت على الفور عمليات البناء الفعلي، ولكن حسب وتيرة سرعان ما بدت بطيئة: اذ عند نهاية حكم إسماعيل لم يكن قد أقيم في تلك المنطقة كلها سوى بضع مئات من الأبنية.
ولكن من جهة أخرى جرى الاهتمام بتحويل الأزبكية (التي تمر فيها بناء دار للأوبرا على وجه السرعة)، إلى حديقة «على الطريقة الانكليزية» شبيهة إلى حد ما ب«بارك مونسو» الباريسي... وزودت الحديقة ببرك صغيرة ومغاور وجسور. ومن اجل إنشاء تلك الحديقة في «الجزيرة» قرب الزمالك.
وخطط لتسوية مجموعة من الأسوار عند كل جانب من الطريق التي سويت متجهة نحو الأهرامات. ثم ومن اجل تسهيل الوصول إلى الجزيرة والى الضفة اليسرى لنهر النيل جرى على وجه السرعة إنشاء جسر معدني عبر النيل يصل إلى جنوب الجزيرة وذلك في العام 1869.
ولا بد أن نذكر هنا أن الجزء الأساسي من هذه الأشغال كلها قد أنجز في زمن قياسي يتلاءم زمنيا مع الموعد المضروب لافتتاح قناة السويس.
ولكن بعد سنة 1869 التي وصل حكم إسماعيل إلى أوجه فيها، راحت وتيرة الانجازات تتضاءل، خاصة أن مصر بدأت تعاني صعوبات مالية جدية نتجت جزئيا عن تبذير الخديوي وإسرافه.
ومع هذا فانه لم يتردد عن الشروع منذ العام1872 في شق طريق كلوت بك( انطلاقا من محطة الأزبكية) وكذلك جادة محمد علي التي كانت وظيفتها أن تصل بين منطقة الأزبكية والقلعة على مدى كيلومترين.
بيد ان هذا التقدم الحقيقي لم يتم من دون صعوبات ومساوئ، إذ من بين 700 مبنى التي تم هدمها لشق الطرقات، كان هناك العديد من المباني التذكارية الجميلة ذات الأهمية القصوى، أما الواجهات الجديدة الجميلة والقناطر التي حفت بالجادة الجديدة والتي كانت تنظف ثلاث مرات في اليوم الواحد فكانت تخفي وراءها في حقيقة الأمر أزقة وأحياء غاية في القبح.
لكن الأشغال الكبرى التي كان إسماعيل رسمها للقاهرة، لم تنجز أبدا.. ذلك أن إفلاس مصر وخضوعها اثر ذلك للسيطرة الأجنبية، آتيا ليوقفا مسيرة الانجازات كلها.
ومع هذا كله علينا ألا نعتقد هنا أن كل ما تم انجازه على عهد إسماعيل كان من قبيل خداع البصر، لعمل كان قد بدأ بداية سريعة لعشر سنوات خلت، فالواقع أن حركة حقيقية كانت قد انطلقت ومدينة جديدة كانت قد بدأت تولد وهو أمر قد تكون الأرقام خير من يعبر عنه:
من خلال عدد السكان الذي زاد من 282 ألف نسمة في العام 1866 إلى 375 ألف نسمة في العام 1882 (منهم 5% أجانب) ومن خلال مساحة المدينة التي بلغت 1260 هكتارا، ما يعني 50% زيادة عما كان عليه واقع القاهرة قبل ذلك، ومن خلال طول الشوارع والطرقات الذي تضاعف 4 مرات (من 58 كلم إلى 208 كيلومترات).
وعلى الرغم من أن تطوير الضواحي الشمالية كان حافلا بالنتائج المهمة بالنسبة إلى مستقبل القاهرة، فإن اندفاعة القاهرة المدهشة نحو الغرب كانت هي التي تجلت كتغيير أساسي في شكل المدينة وروحها: ذلك ان حي الإسماعيلية الذي سيصبح بسرعة في مركز القلب من القاهرة .
وستظل له تلك المكانة حتى يومنا هذا بشوارعه التي لا تزال حتى الآن طازجة حافلة بالنشاط (قصر النيل، سليمان باشا، عماد الدين) هذا الحي كان هو الهدية الحقيقية التي أهداها الخديوي الإصلاحي إسماعيل إلى قاهرة القرن العشرين التي كانت آنذاك على الأبواب.

