في شهر رمضان المبارك، هناك بعض الطقوس والعادات العراقية التقليدية في هذا الشهر الكريم، والتي تكاد تكون ملتصقة به، فالمزارات، من الأماكن التي يرتادها أهل العراق بكثرة في مثل هذه الأيام، وربما يقضون فيها الأماسي أو الأيام، ولا سيما تلك التي تتميز بطابعها الفريد، الذي يندر وجود مثيل له في بلدان أخرى، وبهذه الكثرة، ونحن نقصد هنا «المزارات» ذات القباب المخروطية، التي تجسد أروع ما ابتدعه المعمار العراقي، والتي يبلغ عددها ال17 في أنحاء مختلفة من البلاد.

قد تتسمر العيون دهشة، وربما تفلت صرخة إعجاب أو تعجب، أمام الفنون المعمارية التي تتجلى في القصور والمباني الحديثة ولكن كل هذه المشاعر قد تغدو «بلهاء» إذا ما قورنت بما يذهل العين.

وهي تنظر إلى الفنون المعمارية القديمة، التي تعكسها القباب المخروطية على المشاهد والأضرحة، بكل ما فيها من التعقيد الشديد، الذي يسعى لخلق فضاءات معمارية وأشكال فنية تشيع الرهبة وقوة التأثير في النفس.. وربما يكون هذا التعقيد سبباً في اقتصار هذا الفن المعماري على المشاهد والأضرحة.

وربما يكون سبباً أيضاً في انحساره وبقائه حبيساً في فترة زمنية تمتد بين القرنين الخامس والثامن للهجرة، وربما يثير الكثير من التساؤلات بقاء هذه القباب طيلة هذه السنين، وصمودها بوجه التقلبات المناخية، وكذلك بوجه كل أنواع الغزو والنهب والتدمير التي واجهها تراث العراق وتاريخه.

* الست زبيدة

من هي الست زبيدة!؟ ولماذا يختلف قبرها بشكله وحجمه عن بقية القبور؟ هل لأنها زوجة خليفة فقط؟ أم لأنها امرأة صالحة أحبها الناس وظلوا يترددون على قبرها، وينذرون النذور، ويطلبون «المراد» حتى الآن؟

تقع «مقبرة الست زبيدة» ضمن مقبرة الشيخ معروف، بجانب الكرخ في بغداد، وتعلو قبرها قبة مخروطية الشكل تستدق من الأعلى، وتتسع كلما اتجهت نحو القاعدة.

أما الست زبيدة، كما يعرفها الناس، فهي زوجة الخليفة هارون الرشيد، وهي بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، الذي يعود نسبه الى العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أم الأمين محمد بن هارون الرشيد لقبها جدها بـ (زبيدة)، أما أسمها فكان (أمة العزيز) ولكن كتب التاريخ والتراث لها رأي مخالف تماماً.

حيث تؤكد الروايات أن هذه المقبرة تضم ضريح الست «زمرد خاتون» أم الناصر لدين الله، المتوفاة سنة 599 ه، والتي كانت فاعلة للخير، محبة للناس.. وهي أم خليفة وزوج خليفة..

بنت مدرسة للشافعية بجوار تربة الشيخ معروف، ومدفناً لنفسها، وكذلك بنت مسجداً في موضع الحضائر على دجلة يعرف اليوم بـ «مسجد الخفافين» الذي لا يزال عامرا حتى الآن. ولذا فمن المستبعد أن يكون هذا الضريح للست «زبيدة»، التي تؤكد كتب التاريخ أن مقابر قريش تضم رفاتها.

عند دخولك القبة ترى لأول وهلة غرفة مربعة الشكل، يبدو أنها حديثة، قياساً إلى بناء القبة، كما تدل النقوش التي اعتلتها، وهي مما شاع في بغداد خلال العهود العثمانية.. وتقوم القبة على قاعدة ثمانية الأضلاع، نظراً لما يخدمه هذا الشكل في قيام القبة المخروطية.

فما هي هذه القبة المخروطية؟ وكيف، ومتى، وأين ظهرت في قاموس الفن المعماري؟

القبة عنصر معماري محور عن فنون (الأزج)، والأزج كما يرد في القاموس المحيط للفيروز آبادي.. ضرب من الأبنية، ومصطلح معماري، للدلالة على كل بناء شيد مقوساً.

* عمارة القباب

وعلى الرغم من أن تاريخ ظهور القبة غير معروف بالضبط، إلا أن هنالك أشارات ترجح ظهور القبة في القرن الأول أو الثاني الميلادي، علماً بأن نظام القوس في البناء كان قد بدأ في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد.

ظهرت القبة في العراق وبلاد الشام أولاً.. ولكن من غير المعروف في أيهما ظهرت أولاً، ويرى عدد من الباحثين المتخصصين في فن العمارة إن العراقيين القدامى هم أول من ابتكر المبادئ الأساسية لعمارة القباب، أما سبب ابتكار مثل هذا الفن المعماري، فربما يعود إلى عوامل طبيعية وبيئية، حيث كان اتجاه البناء العراقي القديم لاستغلال مادة الطين المرنة والمتوفرة بكميات كبيرة، وكذلك الآجر.

ومن ثم فإن طبيعة البيئة دفعت بالبنّاء إلى استنباط أساليب جديدة يتخلص معها مما يواجه بناءه من مشكلات، إذ تتميز القباب بأنها تعكس معظم الأشعة الشمسية الساقطة على سطحها الخارجي المحدب، وتتخلص من القسم الأخر الذي ينتقل إلى الداخل على شكل طاقة بواسطة المنافذ الواقعة أسفلها مباشرة، وبذلك تتخلص الأبنية من أكبر مشكلة حرارية تواجهها خلال موسم الصيف الطويل.

وهذا ما لا تتيحه السقوف المستوية، كما انها تساعد كثيراً في توزيع الثقل الناجم عن السقف على أجزاء البناء، وكذلك بالنسبة لأسس البناء. وفوق كل ذلك، فهي تحقق أغراضاً جمالية وتزيينية، وتضيف على البناء نوعاً من القدسية والعظمة التي تدعو إلى الخشوع والتأمل.

والقباب ليست كلها مخروطية.. فهناك القبة نصف الكروية والمدببة والبصلية والمدببة المنبعجة، وغيرها، وهذه القباب ربما تكون أوسع انتشاراً قديماً وحديثاً.

* الخليفة والمستشار

يتكون ضريح الشيخ السهروردي من قبة مخروطية شديدة الميلان، حتى يشعر الزائر وكأنها ستسقط في أية لحظة.. ويلحق بالضريح مسجد.

والشيخ عمر السهروردي هو الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر السهروردي، الذي يرجع نسبه إلى أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، وهو فقيه مسلم، كان يعقد مجلس الوعظ لسنوات، حتى وفاته سنة 635 هـ ودفن في المقبرة التي تعرف باسم (الوردية).

تتوسط الضريح القبة المخروطية المجاورة للمسجد الذي أنشئ سنة 917 هـ غرفة الضريح مربعة الشكل، خالية من الزخارف، حتى علو ستة أمتار ونصف تقريباً، حيث تبدأ الزخرفة التي تدور على جدران الغرفة، ويعلو النقوش صفان من المقرنصات، وفتحت في الصف الثاني أربع نوافذ حتى غطاء القبة، حيث علته كتابات دينية.

وفي أحد أركان الغرفة يوجد باب صغير يؤدي إلى غرفة صغيرة تضم قبر المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين، والغريب أنه قبر صغير لا يرتفع عن الأرض إلا أشباراً معدودة.

والأكثر غرابة هو أن يحل الخليفة ضيفاً على مستشاره عمر السهروردي، ويكون قبره أقل شهرة من قبر المستشار، وربما تتوضح الحقائق اكثر إذا عرفنا إن تاريخ سقوط بغداد هو في سنة 656 ه، حيث قتل آخر خلفاء الدولة العباسية المستعصم بالله، وربما دفن في مقبرة الشيخ عمر السهروردي، الذي توفي سنة 635 ه.

* القباب المخروطية في العراق

انتشرت القباب المخروطية بأنواعها المختلفة لفترة محددة، تختصر بين القرن الخامس الهجري (الثاني عشر الميلادي) إلى القرن الثامن الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وتكاد تكون مقتصرة على المشاهد، ويبدو أن سبب ذلك يعود إلى ما تشيعه تلك المقابر من شعور نفسي وديني، يتعلق عادة بشخصية المتوفى، كأن يكون إماماً أو ولياً أو رجلاً صالحاً.

وتوجد في العراق (17) قبة مخروطية، منها قباب مخروطية مقرنصة من الداخل والخارج، كقبة الإمام محمد الدري في الدور «قرب تكريت»، ومنها ما يتخذ شكلاً هرمياً من الخارج، ومقرنصاً من الداخل، كضريح يحيى بن القاسم في شمال مدينة الموصل، وعون الدين في الموصل أيضاً، والمقرنصة من الخارج، ونصف الكروية من الداخل كضريح السهروردي ببغداد وذي الكفل بمحافظة بابل.

ومن ذلك يتضح أن العراق هو موطن هذا الفن المعماري الذي انتقل فيما بعد إلى البلدان المجاورة، فظهر في سوريا وإيران وغيرها.

* قباب الموصل

وتضم محافظة نينوى أكبر عدد من القباب المخروطية، إذ تضم ست قباب من هذا النوع، الأولى في ضريح الإمام عبد الرحمن، وهو في الأصل المدرسة العزية التي بناها الملك مسعود بن مولود، والتي يعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن السادس الهجري، والثانية تقع شمال مدينة الموصل، وتضم ضريح الإمام يحيى بن القاسم.

ويرجح أنها في مكان المدرسة البدرية التي أنشأها بدر الدين لؤلؤ، قبة الضريح مخروطية مضلعة ذات (12) وجهاً، تقوم على قاعدة مثمنة، أما من الداخل فهي تضم مقرنصات بثمانية صفوف، تنتهي بنجمة ثمانية.

أما الثالثة فتضم قبر الإمام الباهر بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن الحسين، ولقب الباهر لأنه بهر العقول بجماله وعلمه وفضائله، وقد بنى هذا الضريح الملك لؤلؤ سنة 646 ه، وقبة هذا الضريح مخروطية مضلعة قائمة على قاعدة ثمانية.

ومن غير المعروف إن كانت القبة الرابعة تضم قبر الشيخ فتح بن محمد بن وشاح الأزدي الموصلي المكنى بأبي محمد (توفي سنة 170 ه)، أم قبر الشيخ فتح بن سعيد الموصلي، المكنى بأبي نصر (توفي سنة 220 ه)، فهي تعرف بقبة الشيخ فتحي، وتميل هذه القبة من الخارج في شكلها إلى المنشور.

أما القبة الخامسة فتنسب إلى السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب، وتقع في قضاء سنجار، وعلى تل التوبة، تعلو قبة مخروطية هي جامع النبي يونس التي تعد اليوم من أقدم أجزاء الجامع، والتي أمر ببنائها حسين بك حسين، بعد استيلاء تيمورلنك على الموصل، وتنصيب حسين بك والياً عليها.

* زمردة في داقوق

وبعيداً عن نينوى، تضم مدينة داقوق في كركوك قبة مخروطية تعتلي قبر الإمام محمد الباقر، الذي تذكر عنه الروايات أنه ولد ودفن في البقيع، وهي تشبه إلى حد ما قبة ضريح السيدة زمردة خاتون.

وتضم مدينة الحلة أيضاً قبتين مخروطيتين، إحداهما تقع على بعد كيلو مترين إلى الشمال الشرقي من المدينة، ويقال إن الإمام علي (رضي الله عنه)، وهو في طريقه إلى صفين، صلى في هذا الموضع، فبني هذا المشهد إكراماً لهذه الذكرى، وتقول روايات أخرى إنها تعود ليوشع بن نون، الذي يوجد له ضريح بالقرب من الجنيد البغدادي في الكرخ، وربما للنبي حزقيال.

وإلى الغرب من مركز قضاء حديثة هنالك قبة مخروطية تحتضن ضريح (الشيخ حديد) وينسب إلى محمد بن موسى الكاظم، وتقوم قبة ضريح نجم الدين على بعد مسافة قصيرة من قبة ضريح الشيخ حديد.

بينما تنفرد قبة مقام الخضر على مرتفع أثري، على بعد كيلومتر، إلى الجنوب من ناحية «كبيسة»، وما يروى عنها أنها للخضر، عبد الله الصالح، الذي يوجد له ضريح في جانب الكرخ ببغداد.

بغداد ـ نصير النهر