هو عبدالكريم بن هوازن بن عبدالملك بن طلحة بن محمد النيسابوري القشيري، ويكنى بأبي القاسم، وينتهي نسبه من جهة أبيه إلى العرب، فهو من قبيلة قشير العدنانية المتصلة بهوازن، وكذلك من جهة أمه السلمية. ومعلوم كيف أن هجرات عديدة سجلها التاريخ لقبائل عربية انساحت في أنحاء الأرض مع الفتوح الإسلامية.

وولد القشيري في ربيع الأول عام 376 هـ الموافق يوليو 986م في بلدة تدعى (أستوا) إحدى قرى مدينة نيسابور، التي تعلم بها علومه وأولها الحساب فأتقنه، ثم إلى الفقه والحديث والتفسير والأدب والكلام ولقي أئمة العلم كالإمام ابن فورك ومحمد بن أبي بكر الطوسي وأبي اسحق الأسفراييني.

وقرب منهم لحسن استعداده وأدبه ودأبه واستقامة خلقه، واكتشف الأسفراييني موهبته وشفافيته حينما سأل عن عدم تدوينه دروسه كما يفعل أقرانه، فأعاد عليه كل ما سمعه منه من غير إخلال بشيء، فتعجب منه وأكرمه وقال: ما كنت أدري أنك بلغت هذا المحل، فلست تحتاج إلى درس يكفيك أن تطالع مصنفاتي وإذا أشكل عليك شيء طالعتني به، ففعل ذلك، ولكنه جمع بين طريقتي الأسفراييني وابن فورك، في العقائد وعلم الكلام..!

وبينما يعلو نجمه في هذه العلوم، إذ به يستمع إلى حديث من نوع آخر، يخاطب القلوب، ويتحدث في الرياضات والمجاهدات، على طريق الصوفية، وكان جديداً عليه، لم يعهده ولم يتذوقه، فاستولى عليه وامتلك لبه، فكأنه وجد نفسه في هذا الطريق..!

وبدا عليه ما جعل الشيخ الدقاق يقربه ويعطف عليه، وحينما شكا إليه، عدم استطاعته الجمع بين مواعيد درسه أو حلقته، ودروس غيره من أساتذة العلوم الشرعية واللغوية، فأفاده بوجوب إتقان العلوم الشرعية أولاً بقدر طاقته، فوجد أنه لا مناص من التحمل والجد في التحصيل، فازداد إعجاب الدقاق به وبطريقته فقدمه على خطاب ابنته فزوجه إياها..!

وهكذا توثقت الصلة وتوطدت العلاقة بين الدقاق والقشيري، غير أن القشيري رغم ذلك لم يتجاوز مع أستاذه وصهره حدود الأدب واللياقة والتوقير، وإنما كان الإجلال والإكبار.

والاحترام متزايداً، حتى إنه ليقول: (لم أدخل على الأستاذ أبي علي ـ رحمه الله ـ في وقت بدايتي إلا صائماً، وكنت أغتسل قبله، وكنت أحضر باب مدرسته غير مرة فأرجع من الباب احتشاماً من أن أدخل عليه فإذا تجاسرت مرة ودخلت كنت إذا بلغت وسط المدرسة يصحبني شبه حذر حتى لو غرز في إبرة مثلاً لعلي كنت لا أحس بها. ثم إذا قعدت لواقعة .

وقعت لي لم أحتج أن أسأله بلساني عن المسألة، فكلما كنت أجلس كان يبتدي بشرح واقعتي، وغير مرة رأيت منه هذا عياناً، وكنت أفكر في نفسي هذا كثيراً إنه لو بعث الله عز وجل في وقتي رسولاً إلى الخلق هل يمكنني أن أزيد في حشمته على قلبي فوق ما كان منه رحمه الله تعالى؟

فكان لا يتصور لي أن ذلك ممكن، ولا أذكر أني في طول اختلافي إلى مجلسه ثم كونه معه بعد حصول الوصلة ـ أي الزواج ـ أن جرى في قلبي أو خطر ببالي عليه قط اعتراض إلى أن خرج ـ رحمه الله تعالى ـ من الدنيا)..!

وكان القشيري معاصراً وصديقاً لأبي عبدالرحمن السلمي ـ صاحب الطبقات ـ ولكنه لم ينزلق إلى ما انزلق إليه السلمي وتورط فيه، وهو ما جعل سهام النقد تتجه إليه من علماء الشريعة..!

كما كان معاصراً وصديقاً أيضاً لأبي المعالي الجويني، لكنه هو الذي استفاد من علم القشيري، ثم أفاد بدوره أبا حامد الغزالي، فكأن الغزالي استمد من القشيري عن طريق أبي المعالي..!

وقدم القشيري للتدريس وهو ابن ثلاثين سنة، حتى في حياة أستاذه الأثير أبي علي الدقاق، إذ جلس للتدريس في مسجد (المطرز) وعكف مع ذلك على التأليف، فألف تفسيراً كبيراً على طريقة المفسرين سماه (التيسير في التفسير؟) وتفسيراً مختصراً متضمناً بعض ما يراه الصوفية أهل الإشارات هو (لطائف الإشارات).

وهو ما سنشير إليه، كلون من ألوان التفسير، كما ألف الرسالة التي اشتهرت به واشتهر بها، وكذلك ألف كثيراً من الكتب منها: ترتيب السلوك، والتحبير في التذكير، والأربعون حديثاً، وشكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة.

واستفادات المرادات والقصيدة الصوفية، والتوحيد النبوي، واللمع والفصول، والفتوة، ونحو القلوب الصغير والكبير والمعراج.. وكان هذا الكتاب (لطائف الإشارات) يعني بمفاهيم الصوفية الصافية لكلمات الله، إذ يقول رحمه الله في مقدمته:

«أكرم الأصفياء في عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفي رموزه، بما لوح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم.

وأقدارهم، والحق سبحانه وتعالى يلهمهم بما به يكرمهم، فهم به عنه ناطقون، وعن لطائفه مخبرون، وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويذرون»®.!

نعم عرف المحيط الثقافي الإسلامي تفاسير عدة تنتسب إلى التصوف لكن الكثير منها وصم بالابتداع لأنه أغرق في بحار الفلسفات البعيدة عن روح الإسلام كتفسير انتسب إلى ابن عربي ـ محيي الدين ـ والتحقيق أنه ليس من تأليفه وإنما من تأليف القاشاني، رغم أنه مليء بوحدة الوجود التي كان ابن عربي خير معبر عنها..!

أما لطائف الإشارات، الذي طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب وحققه الدكتور إبراهيم بسيوني فإنه يقول: ونستطيع أن نميز بين تفسير القشيري في «لطائفه» وبين أولئك الذين ننسب تفاسيرهم إلى التصوف وأهله، أولئك الذين أسرفوا حين حملوا النص القرآني فوق ما يحتمل.

وبدلاً من أن يخضعوا للنص القرآني أخضعوا النص القرآني لنصرة مذاهبهم، وساروا في الدروب العقلية حتى جمحوا وابتعدوا عن الخط الأصيل حتى صارت تفاسيرهم جديرة بالدرس في مجالس الفلسفة والكلام لا في مجالس الرياضات والمجاهدات والأحوال.

أما عند القشيري فليس هناك مذهب عقلي خبيء، ولا عقيدة باطنية مستورة، كل ما عنده من قصد أن يتم لقاء كامل بين الشريعة والحقيقة في ظلال كلمات الله ـ جل ذكره، لأنه إذا لم يتم هذا اللقاء في كنف كلام الله فأين يمكن أن يتم؟!

وهذا الذي قاله الأستاذ المحقق يتفق مع ما قاله الإمام السعد التفتازاني في شرحه على النسفية، إذ رفض تفاسير الباطنية، وأقر تفاسير العارفين، فقال عن الباطنية: «سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها بل لها معان باطنية لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية»®.

ثم يقول: «وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال العرفان ومحض الإيمان»®.!!

وهذا الذي ساقه التفتازاني ينطبق أتم انطباق على القشيري، وتستطيع أن تعلمه من خطته التي أفصح عنها في خطبته البليغة اليسيرة التي افتتح بها كتابه العجيب في بابه إذ قال:

(الحمد لله الذي شرح قلوب أوليائه بعرفانه، وأوضح نهج الحق بلائح برهانه، لمن أراد طريقه، وأتاح البصيرة لمن ابتغى تحقيقه أوليائه بعرفانه، وأوضح نهج الحق بلائح برهانه، لمن أراد طريقه، وأتاح البصيرة لمن ابتغى تحقيقه.

وأنزل الفرقان هدى وتبياناً، على صفيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله ـ معجزة وبياناً، وأودع صدور العلماء معرفته وتأويله، وأكرمهم بعلم قصصه ونزوله، ورزقهم الإيمان بمحكمه ومتشابهه وناسخه، ووعده ووعيده وأكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته.

وخفي رموزه بما لوح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم، والحق سبحانه وتعالى يلهمهم بما به يكرمهم، فهم به عنه ناطقون وعن لطائفه مخبرون وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويذرون!.!

والحق إن هذا المنهج الذي سلكه القشيري في تخريج المعاني من القرآن هو منهج لا غنى عنه مطلقاً، لأن القرآن الكريم بما أنه كتاب دين وهداية وتشريع ورسالة، وعلم ودلالة ونداء للقلوب فلن يحيط به عالم اللغة والبيان وحده، ولن يحيط به عالم الفقه والأحكام وحده، ولن يحيط به عالم التوحيد والكلام وحده.

ولن يحيط به عالم الطبيعة والأكوان وحده، ولن يحيط به عالم الذوق والأحوال وحده، لأنه كتاب إله حكيم خبير، فلا غنى لأحد من هؤلاء جميعاً عن علم غيره وتجربته، ومن ثم فلا يضير المسلم أن يفيد من كل تجربة قرآنية في محيط الفكر الإسلامي وفقه القرآن..!

فإذا وجدنا منهجاً يميل إلى استيقاظ الهمم واستنهاض القلوب لتتعايش مع حقائق التنزيل فلابد أن ننتفع به ونحسن صحبته دون وجل فالسعيد من عاش مع القرآن بقلب حاضر، وترك قلبه للقرآن يصلحه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت دعوته: (اللهم اجعل القرآن ربيع قلبي).

ولأئمة الإسلام الاثبات مشاربهم المأمونة في عالم التذوق والمواجيد والمقامات، والترقي من حال إلى حال، كابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين أو طريق الهجرتين أو حادي الأرواح أو شيخه ابن تيمية في رسالته، الصوفية والفقراء أو رسالته إلى أتباع الشيخ عدي بن مسافر وغير ذلك..

والقشيري من أئمة الإسلام الموقرين وليس من أهل التهم، وهذا الكتاب الذي وضعه وفق إلى وضعه بفيض قلب ونبض روح ووعي بصيرة منيرة هداها الله إلى شيء غير مسبوق الكشف من القرآن وهذا فضل من الله يسوقه إلى من يشاء من عباده..!!

وتقرأ الكتاب من أوله إلى آخره لا تجد أقل مصادمة لحقيقة عقائدية أو مسلمة إسلامية، أو خرقاً لأمر أجمعت عليه الأمة، إنما كل الذي تجده إضافات إلى المفاهيم التي اهتدى إليها علماؤنا السابقون عند خدمتهم للقرآن، شيء ترتاح إليه القرائح وتطمئن إليه القلوب فجزاه الله خيراً عن كتابه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

علي عيد