للوهلة الأولى تبدو النصوص المعروفة بـ «رسائل إخوان الصفا» نصوصاً فلسفية وفكرية تربط بين الفكر اليوناني والزمن المعاصر لإنشائها، غير أن نظرة أكثر عمقاً إلى هذه الرسائل تكشف لنا دون ريب أن هذا العمل الفكري الخالص إنما هو ـ في الوقت نفسه ـ عمل سياسي.. وربما أول محاولة لوضع برنامج حكم يقوم، أيضاً على أسس فلسفية وفكرية.

ترى هل هناك في زمننا الذي نعيش فيه هذا، حزب سياسي قادر على أن يضع لنفسه برنامجاً إصلاحياً ـ للحكم غالباً ـ يعتمد الفلسفة والفكر وعلوم الأولين والمتأخرين، عموداً فقرياً له؟ هل هناك أي حزب ينطلق من الفكر الخالص ليصل إلى ضرورة «إصلاح الدين والدنيا» جاعلاً من الفكر طريقاً للحكم، ومن الحكم طريقاً يؤمن الفكر الذي فيه وحده خير الناس وسعادتهم؟

من الصعب الرد إيجاباً على هذا السؤال.. لكننا إذا عدنا وتوغلنا بعيداً في الزمان، سوف نعثر على مثل هذا الحزب في تاريخ الحضارة الإسلامية،إذ مهما قيل سلباً أو إيجاباً، عن جماعة «إخوان الصفا» لا يمكن أن ينكر أحد أن الغاية الأساس لهذه الجماعة كانت الوصول إلى الحكم في الدولة الإسلامية .

. وإن رسائلها ما هي سوى برنامج عمل ـ كان في الأصل سريا للغاية ـ لا توزع أجزاؤه إلا على «الحزبيين» الكبار، لكي يتولوا دراسة ما يرسل إليهم، وتعيين مهماتهم وأفكارهم على ضوئه.

وبرنامج العمل هذا كان برنامج حكم ووصول إلى السلطة وممارسة سلطة. ولهذا ـ في اعتقادنا ـ طوردوا واضطهدوا ولا يزال ثمة من يلحق بهم اللعنة إلى اليوم.

أما إذا تساءلنا عما إذا كانت رسائلهم وتنظيماتهم الحزبية أوصلتهم إلى السلطة حقاً ذات يوم.. فإن الجواب سيبدو ملتبساً وإن كان كثر من المؤرخين يرون في الإسماعيلين الفاطميين تجسيداً سلطوياً سياسياً لمعظم ما نادى به إخوان الصفا.

غير أن هذا الجانب السلطوي البحت ليس ما يهمنا هنا هو الجانب الفكري، وكون رسائل الإخوان شكلت، ولا تزال، جزءاً أساسيا من التراث الفكري الإسلامي، ناهيك بكونها شكلت أيضاً جسراً هاما بين الفكر اليوناني بشتى تجلياته والفكر الإسلامي..

إذ لا ننسى هنا أنه إذا كان إخوان الصفا قد أعلنوا دائماً نوعاً من الفيتاغورية المحدثة ـ لا سيما على صعد ميتافيزيقية ـ فإن في ثنايا أفكارهم الفلسفية ولا سيما السياسية والأخلاقية، نزعة أفلاطونية خالصة يمكن العثور على جذورها في جمهورية أفلاطون، وكذلك في الرسالة السابعة الشهيرة لهذا الفيلسوف الإغريقي، والتي وصف فيها دنوه من السلطة في جنوبي إيطاليا.

واللافت في الأمر أن البعد السياسي (الحزبي) في نشاط «إخوان الصفا»، لم يكونوا هم من تحدث عنه بصراحة، بل خصومهم الذين أكدوا دائماً أن «الغاية الحقيقية لإخوان الصفا إنما كانت الوصول إلى الحكم، أو القضاء على الدولة القائمة».

أما هم فكانوا يحددون غاياتهم في رسائلهم بأنها «صلاح الدين والدنيا والاقتداء في الحكمة بالفيتاغوريين من الحكماء على الأخص»، مؤكدين أن مذهبهم إنما هو «النظر في جميع العلوم الطبيعية والرياضية والإلهية» مؤكدين أنهم لا يعاودون «علماً من العلوم ولا مذهباً من المذاهب»®.

ومع هذا فها هم الباحثون يؤكدون أن «الإخوان لم يفكروا أبداً في معزل عن بيئتهم وعصرهم، وما عنوا بالفلسفة طلباً لمتعة عقلية خالصة، أو بحثاً عن حق نظري مجرد» لافتين إلى أن اسمهم نفسه يعني التعاون والتآخي، ويعني أهدافاً عملية يُسعى إليها بالتآزر ويحققها الإخلاص في العمل. فمن هم «إخوان الصفا» هؤلاء وما هي رسائلهم؟

نشأت فرقة «إخوان الصفا» التي خلقت أكثر من خمسين رسالة، في البصرة عند بدايات القرن الرابع، وهم استعاروا اسمهم من «باب الحمامة المطوقة» في كتاب «كليلة ودمنة» ولقد عرفوا أنفسهم منذ البداية على النحو التالي:

«صحبة إخوان كل فضلاء وأصدقاء كرام. علومهم حكمية وآدابهم بنيوية وسيرتهم ملكية، ولذاتهم روحانية وهمهم المهينة، فاترك صحبة إخوان الشياطين الذين لا يريدون ذلك إلا لجر منفعة الأجساد أو لدفع المضرة عنهم. ولكن، يا أخي، من المؤمنين الذين بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر».

أما أبو حيان التوحيدي الذي كان من أوائل الذين ذكروا إخوان الصفا وأرخوا لهم، فإنه أشار في كتابه «المقابسات» إلى أنهم «جماعة محبون لأصناف العلم وأنواع الصناعة، منهم أبو سليمان محمد بن معشر البستي ـ ويعرف بالمقدسي ـ وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والصوفي ـ ويقال أحياناً العوقي ـ وغيرهم صحبهم وخدمهم.

وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة. فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله وذلك أنهم قالوا إن «الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات.

ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها الا بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية» وهم صنفوا، حسب كلام التوحيدي، خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة، علميها وعمليها، وسموها رسائل إخوان الصفا وكتبوا فيها أسماءهم وبثوها للوراقين ووهبوها للناس.

وفي كتاب الجستاني «صوان الحكمة» (الذي هو في رأي المؤرخين أقدم ما بلغنا عن الإخوان في المصادر التاريخية العلمية العربية، إذا نحينا جانبا ما ذكره التوحيدي) في هذا الكتاب شرح بالتفصيل لهوية إخوان الصفا وماهية رسائلهم الشهيرة، فيه أن الجماعة وضعت اثنتين وخمسين رسالة، فضلاً عن «رسالة جامعة» .

وهذه الرسائل تؤلف، حسب وصف الجستاني في مجموعها «موسوعة للعلوم الفلسفية التي شاعت بين العرب في القرن العاشر» علماً بأن العلوم الرياضية والفلكية شغلت فيها مقام الصدارة، ولقد قسم إخوان الصفا رسائلهم خمسة أقسام منها:

1ـ الرسائل الرياضية التعليمية.

2ـ الرسائل الجسمانية الطبيعية.

3ـ الرسائل النفسانية العقلية.

4ـ وأخيراً الرسائل الناموسية الإلهية والشرعية الدينية.

وفي حين يرى بعض المفكرين أنه يمكن التعامل مع «رسائل إخوان الصفا» على أن قيمتها تقتصر على كونها من ناحية «صورة للحياة العقلية في القرن الرابع الهجري وخصوصاً في الجانب الفكري بشكل يضم الآراء الفلسفية منذ أيام طاليس الملطي» ومن ناحية ثانية «بكونها تشكل أول كتاب ضم بين دفتيه جميع أقسام الفلسفة».

ومن ناحية ثالثة «أول محاولة لتثقيف العامة بفنون العلم والفلسفة»، يرى آخرون ـ كما أسلفنا ـ أن التوقف عند هذا من خلال ارتباط الرسائل بأصحابها الذين أتوا في ذلك الحين يشكلون جمعية سرية لها اجتماعاتها وهرميتها، بحيث إن الرسائل يمكن تشبيهها بالتقارير السياسية التي تطبع الاجتماعات الحزبية بالمعنى الحديث للكلمة.

والحقيقة أن «إخوان الصفا» عبروا عن هذا بكل وضوح في الرسالة الرابعة التي يقولون فيها: «ينبغي لإخواننا، أيدهم الله حيث كانوا في البلاد، أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذكرون فيه علومهم ويتحاورون في أسرارهم».

وانطلاقاً من هنا يمكن اعتبار الرسالة الجامعة الأهم بين رسائلهم، إذ إنها، من ناحية تختصر آراءهم الفلسفية وغيرها، ومن ناحية ثانية تصف اجتماعاتهم (التي يحضرون فيها على أحسن ما يكون من الزينة) وأبجديتهم الخاصة التي وضعوها واصطلحوا على أن يكتبوا أسرارهم بها.