إذا كانت الأمة الإسلامية في مراحل تاريخها المختلفة وفترات حياتها المتفاوتة بين الازدهار والانكسار قد احتاجت دائماً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي أحوج الى ذلك في هذه الفترة العصيبة من تاريخها.

وهي بحاجة إلى أن تصلح داخلها حتى تستطيع أن تواجه المخاطر التي تستهدفها، وتتصدى للمؤامرات التي تحاك ضدها، وتصل الى الدرجة التي تستحق بها أن تكون خير أمة أخرجت للناس.حول هذا الموضوع يقدم لنا الكاتب المدقق «السيد عبدالرؤوف» كتابه الجديد: «كونوا خير أمة».

في البداية يؤكد المؤلف أن المتأمل لأحوال الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر يرى فيها مصداقا للحديث النبوي الشريف الذي تنبأ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم باشتعال الفتن وتردي أحوال الأمة الإسلامية وتكالب الأمم الأخرى عليها، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً صحابته الكرام قائلاً:

«توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله، قال: لا بل أنتم كثير ولكنكم كغثاء السيل، ينزع الله الرهبة من قلوب عدوكم ويلقي في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله، قال: حب الدنيا ومخافة الموت».

الواقع الحالي للأمة الإسلامية يؤكد صدق هذا الحديث الشريف، فقد نزعت مهابة الأمة الإسلامية من قلوب أعدائها، وأصبحت أمة مستضعفة ومهينة، تستنزف ثرواتها، وتستباح حرمتها، وتقتل شعوبها جماعات وأفراداً.

وتهان كرامتها، ولم يعد يعمل لها حساب إلا لدواع تتعلق بالمصالح والحسابات والصراعات بين القوى العظمى والكبرى في العالم، وفي بعض الحالات تضاف العواطف والمشاعر الإنسانية الى عوامل المصلحة.

ويرجع هذا الواقع المتردي الى ضعف الإرادة السياسية، الذي هو نتيجة طبيعية للبعد عن الدين في جوهره الحقيقي ونظرته الشاملة ومظلته التي تشمل الحياة والاحياء، الدين ليس شهادة وصلاة وصوماً .

وزكاة وحجا فقط، الدين علاقة بين الإنسان وربه وبين الإنسان ونفسه وبين الإنسان وكل الناس، بل بين الإنسان وكل الكائنات، الدين إعمار للحياة بالعلم والعمل، الدين الإسلامي روح وثابة وقوة دافعة لتقدم الحياة وعمل للوصول الى ثواب الآخرة من خلال صلاح وإصلاح النية والعمل في الدنيا.

* أمة في خطر

وتحت عنوان : «أمة في خطر» يعرب المؤلف عن أسفه لعدم قيام الأمة الإسلامية ببذل جهود حقيقية لتوحيد صفوفها ودعم علاقاتها، في الوقت الذي نجد فيه الأمم والشعوب الأخرى تتقدم على طريق النهضة والوحدة.

ولقد سبقت الدول العربية أوروبا في إنشاء منظمة إقليمية هي جامعة الدول العربية التي مضى على إنشائها أكثر من نصف قرن وانبثقت عنها منظمات ولجان ومجالس عديدة في الدفاع والوحدة الاقتصادية والأمن والثقافة والعلوم والمرأة والتربية والطفل وغيرها، لكنها لم تستطع أن تصوغ منظومة عربية متجانسة متكاملة فعالة.

ويقابل ذلك أن الدول الأوروبية التي عاشت قرونا طويلة في حروب دموية استطاعت خلال فترة أقصر أن تحول المنظمات والمؤسسات المنفردة التي بدأت بها فكرة الوحدة الأوروبية في الخمسينات من القرن الماضي الى وحدة حقيقية ومجلس وزراء وبرلمان ومنظمة عسكرية كبرى، ثم عملة موحدة مع احتفاظ كل دولة بمقوماتها ونظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وإذا كانت وحدة الأمة الإسلامية ضرورة حياة فمن المهم أن نحدد مفهوم الوحدة التي نرمي اليها، فنحن لا نقصد الوحدة بمفهومها السياسي والقانوني، ولكن نعني وحدة العمل والإرادة وهذه الوحدة تحتاج الى وحدة الرؤية والشعوب بالقواسم المشتركة التي تجمع هذه الأمة، ولقد طال الحديث عن هذه القواسم المشتركة ولكن في هذه المرحلة التاريخية بالذات فإن ثمة قاسماً مشتركاً أعظم وأهم هو الخطر المحدق بالأمة الإسلامية.

ويرى المؤلف أنه على الرغم من أن الدول العربية والإسلامية تحررت من الاستعمار التقليدي، فإن قوى الإمبريالية الجديدة انتهجت الأساليب التي تتفق مع روح العصر، فأبقت السيطرة العسكرية قائمة لكنها عنيت بدرجة أكبر بالجوانب الاقتصادية والثقافية والفكرية الغربية بصفة عامة والأميركية بصفة خاصة.

وجرت محاولات مستمرة لتأصيل هذه الهيمنة وتقعيدها من خلال طرح رؤى وأفكار ومشروعات مثل: النظام العالمي الجديد، العولمة.

وفي هذه الأثناء استطاعت الحركة الصهيونية أن تنتقل بفكرتها عن إنشاء دولة إسرائيل من مرحلة الحلم الى مرحلة العمل في البناء الى مرحلة إنشاء الدولة وتحقيق ما يسمونه بالاستقلال، ثم الى مرحلة التوسع والهيمنة على المنطقة العربية بأسرها، وذلك من خلال:

* الاعتماد على قوة كبرى تحمي نشاط بناء وترسيخ الدولة اليهودية وتستفيد بوجودها في تحقيق أهدافها في الهيمنة على المنطقة والسيطرة على مقدراتها الاقتصادية والسياسية.

* استغلال عوامل التأثير الحديثة المتعاظمة للإعلام في كسب الرأي العام العالمي، وأضاف المقاومة الفكرية والنفسية للشعوب العربية والإسلامية.

* استغلال عوامل الضعف لدى الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها غياب الرؤية التاريخية والوعي المستقبلي أو فقدان استراتيجية متفق عليها، ورهن القرارات بأفعال الآخر، وهبوط الهمة.

بهذه العوامل مجتمعة نجحت الصهيونية وفشل العرب والمسلمون، ولن تتغير الحقائق القائمة ما لم نفعل مثلما فعلوا، وإذا كنا قد قلدنا الغرب في الملبس والمأكل والمشرب والديكور السياسي، فلماذا لا نقلده في أن يكون لدينا استراتيجية بعيدة المدى لنهضة الأمة؟ لماذا لا نتعلم من أعدائنا؟ لماذا لا ندرسهم دراسة واعية؟

لماذا لا نستخدم الأساليب والأدوات نفسها التي صارت متاحة للجميع في تجنيد طاقاتنا وفي تغيير توجهات الرأي العام العالمي لكي تصب في صالح قضايانا العادلة بدلاً من أن تصب لصالح الأكاذيب الصهيونية.

* صياغة الحضارة

ويتوقف بنا المؤلف في النهاية أمام قضية تجديد الخطاب الديني، معتقداً أنه طلب منطقي وضروري بل وحيوي ما دام مرتبطاً بمسيرة الأمة الإسلامية ومكانتها في العالم ودورها في صياغة الحضارة الإنسانية والدفاع عنها وعن قضاياها ضد الهيمنة والاستبداد، ومادام يتجاوز مجرد الفعل ليكون فعلاً يصب في قوة الأمة الإسلامية.

إن الأمة الإسلامية بحاجة الى تجديد دينها ليس ليواكب رغبات الإدارة الأميركية أو الحكومة البريطانية أو المطامع والأكاذيب الصهيونية، ولكن لكي تعود الأمة الإسلامية الى المكانة التي تستحقها .

وتشارك في صياغة الحضارة الإنسانية أولا بالرسالة الخالدة التي تحملها وهي رسالة الإسلام، وثانياً بما تفرضه هذه الرسالة من الأخذ بأسباب العلم والمعرفة والعمل الجاد والانفتاح الواعي والإيجابي على كل الثقافات.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود