تبدأ المسرحية بمقدمة تمهد للأحداث وتقدم الشخصيات إلى جماهير المشاهدين.. من هذا التصوير أو التمهيد نعرف أن مدينة «طيبة» تجتاحها غائلة الطاعون الفتاك وقد أصاب الزرع وأهلك الضرع وأودى بحياة كثير من البشر..

نعرف أيضا أن المدينة لاتزال حزينة على مصرع ملكها الطيب السابق «لايوس» بقدر ما إنها تعترف بجميل ملكها الحالي «أوديب» الذي ما لبث أن تزوج أرملة الملك الراحل واسمها «أوغسطا» واستولدها أربعة أولاد.

المدينة ممتنة لملكها الجديد «أوديب» لأنه أنقذها من شر الكائن الوحشي المرصود الذي كان يتخذ مكانه عند مدخل المدينة فلا يستطيع أهلها التماس السبيل إلى دخولها ولا الخروج منها.. إنهم يتذكرون كيف أن هذا الكائن الوحشي الغامض.. واسمه سفنكس كان منظره يبعث الرعب في قلوب الناس..

عاينوا مرآه منذ ثلاث سنوات كان له جسم كلب وذيل ثعبان ورأس إنسان وصدر امرأة وجناحا طائر.. كان يلتهم كل من يعجز عن حل غوامض لغز يطرحه هذا السفنكس على المارين وكان اللغز يتمثل في سؤال هو: ترى من الذي يمشى على أربع سيقان في الصباح وعلى ساقين عند الظهر ثم على ثلاث لدى حلول المساء؟.

. لقد عجز خلق الله عن حل الأحجية فيما عدا شخص واحد فكر مليا ثم أعطى الجواب الصحيح قائلا: إنه الإنسان، يحبو على أربع في الطفولة.

ويستوى على ساقين في الرجولة ثم يتخذ عصا يضيفها إلى الساقين عند الشيخوخة هذا الشخص هو «اوديب» الذي ما أن أعطى الجواب الصحيح حتى اهلكت مخلوقة السفنكس نفسها وزال شرها من الوجود.. فكان أن بادر أهل «طيبة» إلى تنصيب أوديب الرائع ملكا على المدينة وها هم يطلبون من الملك أن يعمل على مكافحة ما حل بمدينتهم من الوباء.

أربع وقائع تتألف منها هذه المسرحية وأولها تبدأ بنبوءة الآلهة التي تقول إن اللعنة حلت بالمدينة لأن قاتل لايوس الملك لايزال مقيما داخلها..

وإذ يواصل أوديب التحقيق في الأمر يستدعي العراف المتنبئ تريسياس ويحتد عليه لدرجة اتهامه بالخيانة فإذا بالعراف يرفع عقيرته متحديا يقول: إن أوديب هو القاتل وأن اللعنة سوف تحل عليه فمكتوب عليه أن يتحول من ملك يحكم إلى شحاذ فاقد البصر يمد يديه يتكفف صدقات المحسنين.

يتمادي سير الأحداث ونعرف من السياق أن «لايوس» الملك المغتال كان قد تلقى نبوءة من كهنة الالهة بأن مصيره سيكون القتل على يد ابن له..

وعليه فما إن ولد ابن له اسمه أوديب حتى أمر لايوس بإبعاد الطفل خوفا من تحقق النبوءة ووقوع الجريمة وما كان من الأعوان إلا أن أبلغوه كذبا بأنهم تركوا الرضيع أوديب على سفح ربوة إلى أن مات، بعدها تتكشف الحقيقة بين الحدثين الثالث والرابع من المسرحية.. أن راعيا للغنم اكتشف وجود الطفل فأعطاه إلى ملك كورنثه فاتخذه ابنا..

وحين شب أوديب عن الطوق وبدأ التجوال في ربوع البلاد. وقعت له أحداث متعاقبة وكثيرة صادف فيها لايوس الملك فحاربه وقتله. ثم صادف وحش السفنكس واستطاع حل اللغز الذي أودى بحياة الكثيرين.. ثم صادف أوغسطا ملكة «طيبة» التي كانت تعيش أرملة، فكان أن تزوجها وانجب الأولاد الأربعة ومنهم بنتاه انتجوني واسمين.

كما كان أوديبوس واثقا من نفسه.. مغترا بما وصل إليه من جاه وما بلغه من حكمة ومن سلطان مثل أي إنسان لم يكن يدري من أمر مستقبله شيئا.. لكن ها هى الأقدار تقف متربصة بمسار حياته كلها.

. وها هى الحقيقة تتكشف بل تكشر له عن أنيابها..وفي لحظة الكشف المروعة.. يقف أوديب إنسانا،مجرد إنسان اصابته تصاريف الأقدار في مقتل.. أدرك لحظتها أن النبوءات تحققت وأنه ليس ابن ملك كورنثه بل هو ابن ملك وملكة طيبة..

وأنه قاتل الملك ـ الأب وزوج الملكة ـ الأم.. وسبب كل ما حاق بالمدينة من صنوف البلاء.. هنالك يهرع أوديبوس لائذا بجدران القصر بينما يرتفع كورال الجوقة بأشعار حزينة ممرورة تندد بزيف الشهرة وتفاهة الثروة وتنذر بالشقاء المكتوب على جبين الإنسان وهنا تدور عجلة الأقدار دورة العكس والنحوس..تعرف الملكة أوغسطا الحقيقة فتقتل نفسها..

ويخرج أوديب الملك والدماء تنهمر من عينيه بعد أن سمل العينين فأضحي ضريرا معترفا بما إرتكبه من ذنوب. في الجزأين الثاني والأخير من ثلاثية تراجيديا أوديب يواصل سوفوكليس متابعة حكاية الملك الإغريقي الذي يطالعنا في الجزء الثاني (أوديبوس في كولونوس كهلا ضريرا منفيا من «طيبة».

يعتمد على ذراع ابنته الوفية «انتيجون» لكن مع كل ما أصابه من رزايا فلا يزال الإنسان داخل نفس أوديب يدفعه إلى السلوك المغرور وإلى الاندفاع وراء الغضب إلى أن تحين نهايته فيموت في المنفي، بينما تتواصل الثلاثية إلى آخر فصولها بعنوان «انتجون» التي كتبت الأقدار عليها أن تحزن على مصير أبيها التاعس وأن تشهد انتحار أمها وأن تعايش مأساة القتال بين شقيقها طمعا في عرش «طيبة».

وأن تعاني قسوة عمها كريون الذي أمر بحبسها بين جنبات مغارة عند مشارف المدينة.. تنتهى التراجيديا الإغريقية ـ ربما على عادة كل تراجيديا إغريقية بانتحار «انتيجوني» وبمصرع عمها كريون وأسرته.. وبينما يطالع المتفرجون كل مشاهد القتل ومصارع الشخصيات.. وبين نحيب الثكالي وضراعة النادمين تتعالى أصوات الجوقة تقول إن حكماء البشر هم وحدهم الذين يتجنبون معاندة الأقدار ولا ينهجون في سلوكهم سبل الخيلاء والغرور.

* الأفكار.. الرموز.. الدلالات

«أوديبوس» يعني في اليونانية «ذو القدم المتورم» وهو ما يشير حرفيا إلى أنهم ربطوا قدميه إذ كان وليدا حتى طرحوه فوق سفح الجبل خوفا من تحقق النبوءة، لكنها قد تفيد أيضا بمعنى تورم الذات وخيلاء الغرور.

. وقد تعني أيضا أن أوديبوس شخص مقدام لا يلوي في التصرف على شيء وأنه يتخذ قراراته انطلاقا من بُعد البصر وذكاء البصيرة..وهنا تنشغل المسرحية بمفارقات البصر والبصيرة.

كان أديبوس بعيد البصر حين فك بذكائه الوقاد طلسم الكائن الوحشي الذي كان متربصا بالمدينة لكنه في نهاية المسرحية أصبح يتجول بقدميه المتورمتين فاقدا البصر تماما في أنحاء اليونان وعندما كانت الأحداث قد بلغت ذروة تأزمها كان العّراف الضرير رتير يسياس يرى أبعد ما كان يراه الملك أوديبوس الذكي البصير.

. وعندما احتدم الخلاف بين الملك والعراف.. كان في الواقع خلافا بين البصر والبصيرة. وكان هناك أيضا حكم القدر الذي لا سيطرة للإنسان عليه وينبغي للمرء أن يرضى بكلمته وينصاع لقضائه.

على أن النغمة الأساسية التي تتردد بتنويعات شتى ـ في أوصال هذا العمل الفني هى أن الغرور هو آفة الآفات.. لأنه يعمي صاحبه عن الحكم السليم، وأن على الإنسان أن «يعرف نفسه» قبل أي شيء آخر وتلك حكمة يقال إنها كانت منقوشة على بوابة معبد «دلفي» في بلاد الإغريق وعلى أساسها بنى سقراط أول أفكاره الفلسفية..

فقد يحقق الإنسان نجاحا ما بعده نجاحا لكن الخطر أن يقوده النجاح إلى الغرور (هوبريس في اليونانية) ولذلك يحق عليه عقاب الالهة الذي ينزل بكل مختال فخور وهو يأتي على شكل قصاص (نمسيس).

وعلى كل حال فالتراجيديا الإغريقية، تتعامل مع شخوصها الرئيسية على أن كلا منهم (مثل أوديب) بطل شجاع وكائن ذكي وإنسان عظيم، لكن لأنه بشر فلابد أن يشوبه عيب يودي به الى موارد المأساة.. ومن خلال تجسيد هذا العيب ومن ثم المأساة.

وساعتها ينتاب جمهور المسرح شعور يصفه العلامة ارسطو بأنه «الرعب» مما حدث ثم «الشفقة» إزاء ما نزل بالبطل التراجيدي من كوارث.. يقارنون المسرحية ـ والحديث مازال لأرسطو وقد تغشاهم إحساس بالتطهر (كاثارسيس) وهذا هو الدور الايجابي للتراجيديا منذ أيام اليونان.

* المبدع

سوفوكليس (496 ـ 406 قبل الميلاد) هو واحد من ثلاثي الفنانين الأعلام من الآباء المؤسسين للتراجيديا اليونانية وهم اسكيلوس ويور يبيديس ثم سوفوكليس. وقد ولد في بلدة كولونوس التي أدار فوق أرضها أحداث مسرحية «أوديب ملكا».

كان سوفوكليس يدخل مسابقات الدراما في بلاده ويفوز فيها ويقال إنه كتب ما مجموعه 123 عملا مسرحيا وفاز بنحو 24 جائزة، ولذلك كان أقرب إلى الشخصيات العامة في بلده لدرجة أن انتخبوه لعضوية عدة لجان ومجالس مسؤولة عن مراقبة الأموال ورسم السياسات في أثينا القديمة.

ورغم هذا الانتاج الغزير فلم يعش في سجل الدراما من أعمال سوفوكليس سوى 7 مسرحيات فقط ومن حسن الحظ فهى من نتاج فترة النضج في حياة هذا المبدع الكبير .

ومن ثم فهي تعبر عن التجديدات التي أضفاها الرجل على فن الدراما الإغريقية سواء من حيث دقة تصوير الشخصيات أو زيادة عدد أفراد الجوقة وإسناد أدوار وظيفية لها دون الاقتصار على مجرد مصاحبة الأحداث، وقد أدى هذا الاتقان في حرفة المسرح وفنونه إلى الدرجة التي جعلت أرسطو يستقي من واقعها عددا من القواعد التي عمد الفيلسوف اليوناني إلى تقنينها كي تحكم فن الكتابة للمسرح الكلاسيكي عبر العصور.

يرصده : محمد الخولي