منذ منتصف الخمسينات من القرن العشرين ظهر واضحا أن دبي في حاجة ماسة إلى تطوير إداري ومدني لمواجهة التطور التجاري والاقتصادي وتطور مجتمع دبي ككل وما قد تنشأ عنه من قضايا جديدة لذا فقد شهدت دبي في تلك الفترة تطورا في مجال إدخال النظم القضائية والقانونية العصرية وفي مجال الأمن وهي جميعها أمور كانت تسير سابقا بواسطة الشيخ ومجلسه الاستشاري. ولكن تطور دبي الحديث جعل من تبنى الأساليب العصرية أمراً محتما.
فيما يختص بتنظيم وتحديث النظام القضائي فقد زار دبي موظف يعمل لدى المحاكم البريطانية في البحرين ويدعى محمد عبد الخالق ليشرف على تنظيم القضاء والأمور القانونية في محاكم دبي ذلك أن النظام القانوني المحلي المعمول به في دبي سابقا لم يعد قادرا على مواجهة ظروف المجتمع الجديد والذي كان يتطور بصورة يومية.
فقد كان الشيخ سابقا يعين قاضيا غير مؤهل ليحل الخلافات بين الناس أما الخلافات المدنية كالميراث والزواج والطلاق فقد كانت توكل إلى قاض شرعي، أما الخلافات التي كانت تقع بين التجار فكانت تحل عن طريق تعيين الشيخ لشخص مؤهل يثق به لحل تلك الخلافات.
ومن أهم الشخصيات التي اشتهرت في هذا الصدد الشيخ حشر بن مكتوم، وهو شقيق سعيد بن مكتوم حاكم دبي. فقد عينه الشيخ سعيد بن مكتوم لكي يذهب إلى ديره يوميا لحل الخلافات بين التجار ولكي يستمع إلى آرائهم وشكواهم حيث يشترك الاثنان في حل مشاكل الناس.
وقد خلف الشيخ حشر في هذا المنصب لاحقاً ابنه الشيخ محمد بن حشر كممثل للشيخ راشد بن سعيد في المحاكم المحلية وبالرغم من عدم معرفته الكاملة بالقراءة والكتابة إلا أنه اثبت مهارة ودراية كبيرة بالأمور والمسائل القضائية.
وفي سبتمبر 1956 قام الشيخ راشد بن سعيد، ولي العهد آنذاك، وبدعم من الوكالة البريطانية والسفارة البريطانية في سوريا باستدعاء قاض فلسطيني هو عبد الرحمن الدجاني ليشرف على المحاكم في دبي ويدخل نظم الإدارة الحديثة على النظام القضائي المعمول به.
* تنظيم الأمن
بالإضافة إلى تنظيم شؤون القضاء فقد شهدت الخمسينات أيضا تنظيم الإدارة الحديثة في مجال الأمن. فعلى الرغم من قيام الحكومة البريطانية في عام 1951 بإنشاء قوة عسكرية عرفت باسم «قوة ساحل عمان» .
والتي تغير اسمها لاحقا إلى «قوة كشافة عمان» إلا أن مهمة هذه القوة كانت حماية إمارات الساحل من الناحية الخارجية حيث اشتركت هذه القوة في حرب البريمي عام 1952 وكان عدد أفرادها حوالي 30 جنديا.
وقد تضاعف عدد أفراد هذه الفرقة لاحقا ليصل إلى 1000 جندي. وعلى الرغم من وجود هذه الفرقة إلا أن حاجة دبي لحماية الأمن داخل الإمارة. أصبح مطلباً ضرورياً منذ منتصف الخمسينات لذلك أصبح تشكيل قوة شرطة محلية أمرا ضروريا خصوصا بعدما شهدت الإمارة بعض حوادث السرقة.
وعلى الرغم من الاقتناع الموجود بالحاجة إلى قوة شرطة داخلية إلا أن مسألة تأمين الموارد المالية كانت لا تزال قائمة. فقوة كهذه تحتاج إلى موارد مالية للصرف منها على إنشاء الفرقة وعلى تأمين مرتبات ثابتة لأفرادها.
ولكن موارد الإمارة المحدودة في فترة الخمسينات والمشاريع الكبيرة التي كانت دبي تحلم بتحقيقها كادت أن تقف عقبة في سبيل إنجاز العديد من المشاريع. لم يشأ الشيخ راشد بن سعيد أن تقف مسألة الموارد المالية عائقا في وجه تنفيذ بعض الخطط الضرورية للإمارة. لذلك تعهد بأن يدفع مبلغاً وقدره 000, 100 روبية هندية لسد نفقات تلك القوة.
وتعهدت الحكومة البريطانية بسد بعض النفقات الأخرى بما فيها توفير خبراء بريطانيين ودفع أجورهم. وكانت أهم المهام المتوقعة من هذه الفرقة هي تأمين حفظ الأمن والاستقرار وضبط أمور الهجرة وهي أمور سوف يكون لها بالتأكيد نتائج ايجابية على استقرار الأمن وتطور الأوضاع الاقتصادية في دبي.
وفي عام 1956 تم إنشاء أول شرطة محلية لدبي أوكل إليها أمر الإشراف عليها محليا للشيخ محمد بن حشر الذي عمل تحت اشراف ضابط معين من قبل الحكومة البريطانية ومنتدب من قبل قوة كشافة عمان هو الميجور كلايتون Major Clayton ليشرف على التجنيد وتدريب هذه الفرقة الجديدة.
وكانت الفرقة تضم في البداية حوالي 17 شخصا تضاعفت في نهاية عام 1956 إلى حوالي 30 شخصا ومن ثم إلى حوالي 70 شخصا وذلك بتوجيه من الوكيل السياسي في دبي جي. بي. تريب J. P. Tripp.
هذا وقد قامت الحكومة البريطانية بتخصيص مبلغ وقدره 2800 جنيه إسترليني في عام 1957 للإنفاق على توسيع هذه الفرقة والتي لعبت دورا مهما في استقرار الأمن والأمان في دبي حتى إنشاء قوة شرطة دبي الحديثة.
* تنظيم المجلس البلدي
شهدت فترة الخمسينيات أيضا بداية تنظيم المجلس البلدي في دبي، Municipal Council هذا المجلس الذي يعتبر بداية ظهور المؤسسات التنفيذية الحديثة في دبي. ففي تلك الفترة انتدب الخبير العربي، سعيد عبد السلام الرواف، من العراق بالإشراف على تنظيم مجلس بلدي في دبي.
وقد قامت الحكومة البريطانية بانتدابه عن طريق مجلس الساحل المتصالح. وكان في اعتقاد الوكيل البريطاني المستر تريب أن اختيار خبير بريطاني سيكون مضيعة للوقت. فليس هناك مجال للمقارنة بين الخدمات العامة في بريطانيا والخدمات العامة في دبي. ولهذا فإن انتداب خبير عربي كان كافيا في تلك الفترة.
وعند وصول عبد السلام الرواف لدبي عقد عدة لقاءات مع الشيخ راشد بن سعيد، ولي العهد آنذاك، وحضر تلك اللقاءات عدد من أبرز تجار وأعيان دبي. وقد استغرق إعداده لخطة التطوير حوالي 3 أشهر سلم بعدها خطة مفصلة ضمن إمكانات حكومة دبي إلى الحكومة البريطانية. وهكذا استحدث المجلس البلدي في دبي ليقوم بدور مهم في إدارة شؤون دبي الاقتصادية وإبداء الرأي حول شؤونها العامة.
*بدء خدمات الكهرباء والماء
ما إن انتصف عقد الخمسينات ظهرت في دبي الحاجة إلى استحداث مرافق خدمية أخرى كالكهرباء والماء والهاتف وباقي مرافق الحياة العصرية التي تناسب رغبات مجتمع دبي الذي كان يتطور بصورة سريعة جدا. وكانت أهم مطالب ذلك المجتمع هي خدمات الكهرباء والماء وهي الخدمات المطلوبة في أي مجتمع مقبل على الحداثة.
كانت الكهرباء في دبي حتى تلك الفترة تمثل رفاهية لم يعتد عليها مجتمع دبي النامي حيث لم يكن هناك إلا عدد من القادرين من الناس على امتلاك مولدات كهربائية خاصة بهم. ولكن متطلبات مجتمع دبي في فترة الخمسينات اختلفت عن تلك التي يطلبها السكان من قبل.
لذا سرعان ما فكرت حكومة دبي في تأسيس شركة كهرباء في دبي تغطي خدماتها إمارة دبي جميعها. وبعد سنوات طويلة من المباحثات حول تغطية نفقات ذلك المشروع الحيوي أجمع الرأي على أن تؤسس شركة مساهمة من قبل الحكومة وتجار دبي.
وفي عام 1950 وقعت اتفاقية بين حكومة دبي ومجموعة من كبار التجار من بينهم محمد سعيد الملا والشيخ مصطفى عبد اللطيف عبد القادر ومحمد عباس ومحمد على بدري .
وقاسم فكري وحمد بن ماجد الفطيم وأحمد صديقي. وقد نصت الاتفاقية على تأسيس شركة باسم شركة برق دبي وملحقاتها بهدف تزويد الكهرباء لامارة دبي وملحقاتها على أن تقوم بتوريد المكائن والأدوات اللازمة والأسلاك الكهربائية وجميع الأعمال التي يقتضيها المشروع.
وكانت الاتفاقية تقضي بأن يقدم التجار رأس المال ويقدم الحاكم الأراضي التي يقوم عليها المشروع نظير حوالي 10% من الأرباح سنويا. وكانت مدة الاتفاقية خمسة وثلاثين عاما يتعهد الحاكم خلالها بعدم اعطاء الامتياز لأية شركة أخرى.
وعلى الرغم من هذه الجهود إلا أن المشروع لم ير النور أبدا نتيجة لبعض الصعوبات المالية. وفي عام 1958 ناقش الشيخ راشد بن سعيد المشروع مرة أخرى مع التجار مع إمكانية تمويل هذا المشروع من قبل البنك البريطاني للشرق الأوسط.
وفي 19 مايو 1959 تأسست شركة كهرباء دبي برأسمال قدره 300,000 روبية هندية كما تم تعيين شركة كنيدي ودنكن المحدودة كمستشارين للشركة على أن تبدأ الشركة بتقديم خدماتها للجمهور عام 1961.
وقد ترأس الشيخ راشد مجلس إدارة الشركة واستمرت الشركة في بيع الطاقة الكهربائية للجمهور وجنى الأرباح حتى عام 1970 / 1971 عندما تم تطبيق التعرفة الموحدة في كل امارات دولة الإمارات العربية المتحدة.
ترصدها:د. فاطمة الصايغ

